شهاداتٌ على الرصيف.. "مساطر العمال" في الأنبار تتحول إلى ملاذٍ أخير للخريجين

أربيل (كوردستان24)- في مشهدٍ يختزل واقعاً مريراً، تحولت أرصفة "مساطر العمال" في مدن محافظة الأنبار إلى وجهة يومية، ليس للعمال غير المهرة فحسب، بل لعشرات الخريجين الذين ضاقت بهم سبل العيش الكريم. فمع بزوغ خيوط الفجر الأولى، يقف هؤلاء الشباب في طوابير طويلة، آملين في الحصول على فرصة عمل في مهنٍ شاقة، بعيداً عن قاعات الاختصاص الجامعي التي أفنوا فيها سنوات عمرهم.

تعاني محافظة الأنبار من ارتفاعٍ حاد في معدلات البطالة، تجاوزت بحسب مصادر محلية ورسمية أرقاماً قياسية، ما دفع بالكفاءات الشابة إلى الانخراط في أعمال البناء والحمل والنقل، هرباً من شبح العوز.

يقول محمد حسين، وهو شاب يحمل شهادة جامعية ويواجه هذا الواقع يومياً: "نراقب يومياً مشهداً مأساوياً؛ مئات الشباب ينتظرون من الصباح حتى المساء في هذا المسطر، وسط انعدام للفرص وضغوط معيشية خانقة. البطالة في منطقتنا وصلت لمستويات مخيفة، قد نقدّرها بنحو 70%، وهي نسبة عالية جداً تهدد مستقبل جيل كامل".

أما أبو أحمد، الذي وجد نفسه مجبراً على الوقوف في "المسطر" رغم كبر سنه وخلفيته الدراسية، فيبث شكواه بمرارة: "نأتي إلى هنا ولا نجد عملاً في كثير من الأيام. نحن لا نطالب بالمستحيل، نطالب بفرص عمل حقيقية أو حتى راتب رعاية اجتماعية يسد الرمق. إلى متى تبقى هذه الشهادات حبيسة الرفوف ونحن نهدر طاقاتنا في أرصفة الانتظار؟".

لا تتوقف الأزمة عند ندرة الوظائف، بل تمتد إلى آليات التعيين التي يشوبها الكثير من الجدل. حيث يطالب الخريجون بضرورة إبعاد ملف التوظيف عن صراعات "المحسوبية والمقايضة" السياسية، واعتماد الكفاءة كمعيار وحيد للوصول إلى الوظيفة العامة.

من جانبهم، حذر وجهاء المحافظة من التبعات الاجتماعية الخطيرة لاستمرار هذا الوضع. وفي هذا الصدد، يقول صائب العيساوي، عضو مجلس وجهاء الأنبار: "من غير المعقول أن يبذل الأهالي كل جهدهم ومالهم لتعليم أبنائهم، لينتهي بهم المطاف في مسطر العمال بانتظار أجر لا يتجاوز 15 ألف دينار يومياً. الوضع الاقتصادي في الأنبار يعاني من ركود حاد منذ أكثر من سنتين، وعلى الحكومة المركزية التدخل فوراً لفتح باب التعيينات وفق مبدأ العدالة".

لا ينظر الخريجون في الأنبار إلى الوظيفة كـ "منحة"، بل كحقٍ أصيل يحترم سنوات سهرهم واجتهادهم. ومع تزايد أعداد العاطلين، يرتفع سقف القلق من تداعيات نفسية واجتماعية قد تفرزها هذه الأزمة، إذا ما ظلت الشهادات مجرد "أوراق معلقة على الجدران" لا قيمة لها في سوق العمل.

تبقى أرصفة الأنبار شاهدةً على أحلامٍ مؤجلة، بانتظار حلول جذرية تخرج هؤلاء الشباب من "غبار المهن الشاقة" إلى فضاء التنمية والبناء الذي تخصصوا فيه، حفظاً لكرامتهم وضماناً لمستقبل المحافظة.

تقرير: أحمد ناجي – كوردستان24 – الانبار