تقدير: تشديد سياسات الهجرة يتعارض مع الواقع الاقتصادي.. "الهجرة ضرورية لإنقاذ دولة الرفاه"

أربيل (كوردستان24)- وفقاً لتقرير جديد صادر عن مركز الأبحاث التقدمي "Minerva"، فإن الدعوات لفرض سياسات هجرة أكثر صرامة تتناقض مع الواقع الاقتصادي؛ فمن أجل إنقاذ "دولة الرفاه"، تبرز الحاجة الملحة إلى الهجرة. "لكن يجب أن نمتلك الجرأة على تحديد الشروط المسبقة".

"الهجرة ليست مجرد خيار سياسي عابر، بل هي ضرورة هيكلية"، هذه هي الرسالة المركزية في التقرير الجديد لمركز Minerva للأبحاث الذي عُرض اليوم.

في يوم الإثنين، 9 فبراير 2026، نشرت صحيفة "دي مورغن" (De Morgen) البلجيكية تقريراً حول سياسة الهجرة، جاء فيه: "يشير التحليل أولاً إلى تزايد شيخوخة المجتمع، مما يؤدي إلى تقلص عدد السكان في سن العمل، وبالتالي يتعين على عدد أقل من العاملين دفع مساهمات التقاعد لعدد متزايد من كبار السن. وتظهر التوقعات الأخيرة الصادرة عن (مكتب التخطيط) أنه بحلول عام 2080، سيكون هناك 45 شخصاً تبلغ أعمارهم 67 عاماً فما فوق لكل 100 نسمة تتراوح أعمارهم بين 18 و66 عاماً. في حين كان هذا العدد 28 شخصاً في عام 2025، و23 شخصاً في بداية القرن."

بالإضافة إلى ذلك، يستند التقرير إلى أبحاث حول المساهمة الاقتصادية للهجرة؛ حيث أظهر تحليل سابق أجراه البنك الوطني البلجيكي (NBB) أن الهجرة أدت إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.5%. ومن هذه النسبة، يعود 2% إلى الهجرة من داخل الاتحاد الأوروبي و1.5% إلى الهجرة من خارجه.

يقول الخبير في الاقتصاد السياسي "هيلك فان دورسلير" من مركز Minerva: "نريد دحض أسطورة أن المهاجرين يشكلون عبئاً مالياً في المقام الأول. نحن بحاجة إلى المهاجرين لسد الثغرات في سوق العمل والحفاظ على قدرتنا على تمويل دولة الرفاه ومعاشات التقاعد".

وهناك ملاحظة هامة وهي أن الهجرة لا تحل المشاكل على المدى الطويل، لأن المهاجرين سيتقدمون في السن أيضاً وسيحتاجون بدورهم إلى الرعاية والمعاشات. ويقر فان دورسلير قائلاً: "إنها ليست حلاً هيكلياً نهائياً، بل هي بمثابة (ممتص للصدمات) نشتري به الوقت للتعامل مع تبعات شيخوخة السكان".

الشروط المسبقة

يتفق "ستاين بايرت"، بروفيسور اقتصاد العمل، بشكل عام مع التحليل القائل بأن الهجرة مفيدة وضرورية، ويقول: "يمكن للهجرة أن تكون قصة نجاح، ويجب أن تصبح كذلك بالنظر إلى الواقع الديموغرافي في بلجيكا. ولكن لتحقيق ذلك، يجب أن نجرؤ على تسمية الشروط المسبقة بمسمياتها".

ويشير تقرير البنك الوطني (NBB) إلى أن تأثير المهاجرين على المالية العامة يعتمد كلياً على وضعهم في سوق العمل؛ فهو تأثير إيجابي لمن يعمل، وسلبي لمن لا يعمل.

إن معدل التوظيف بين الأشخاص ذوي الأصول المهاجرة لا يزال أقل منه لدى المواطنين من أصول بلجيكية، رغم وجود تحسن طفيف في السنوات الأخيرة. ويقول بايرت: "في الوقت نفسه، لا نزال نعتبر من بين الدول الأقل أداءً في الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بمعدل توظيف المهاجرين. المهاجرون من خارج الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص يواجهون صعوبات كبيرة في الاندماج بسوق العمل في بلادنا".

لجعل الهجرة نجاحاً اقتصادياً، يرى بايرت أنه من الضروري التركيز على استقطاب الكفاءات المهنية الصحيحة التي يمكنها سد النقص في الوظائف الشاغرة. "تنجح دول أخرى بشكل أفضل في جذب حصة أكبر من المهاجرين الراغبين في العمل أو الدراسة، بينما التدفقات التي نجذبها نحن هي الأضعف".

ويقر فان دورسلير بأن نجاح الهجرة يعتمد على السياسة المتبعة: "يجب أن نبحث في كيفية دمج الناس في سوق العمل بأسرع وقت ممكن. لكننا نفعل العكس تماماً الآن بسبب التمييز والعوائق المختلفة، مثل الاعتراف المحدود بالشهادات الأجنبية والشروط اللغوية التعجيزية".

ومع ذلك، يرى بايرت أن هذا ليس التفسير الوحيد؛ حيث تشير أبحاثه إلى أن الاختلافات الثقافية، مثل النظرة التقليدية لأدوار الجنسين، تؤدي أيضاً إلى ضعف انخراط النساء من ذوي الأصول المهاجرة في العمل. بالإضافة إلى ذلك، يجب جعل نظام الضمان الاجتماعي أكثر تحفيزاً: "فخ البطالة في بلادنا كبير، خاصة لذوي المهارات المحدودة، حيث لا يجد الشخص فارقاً مالياً كبيراً يشجعه على الانتقال من البطالة إلى العمل، وهذا يعيق اندماج المهاجرين".

نقاش معمق

وفقاً للتقرير، من الخطأ الاعتقاد بأن علينا التركيز فقط على المهاجرين ذوي التعليم العالي. يقول فان دورسلير: "نحن بحاجة أيضاً إلى أصحاب المهارات المتوسطة والمنخفضة لشغل وظائف حيوية في قطاعات مثل رعاية الأطفال ورعاية المسنين".

لكن الاقتصادي "غيرت نويلز" يشير إلى أن هذه الوظائف ذات الإنتاجية المنخفضة تتعرض لضغوط بسبب ارتفاع تكاليف الأجور، لذا يجب مراعاة التطورات التكنولوجية. ويقول: "ليس قدراً محتوماً أن تظل كل هذه الوظائف موجودة بشكلها الحالي لتشغل من قبل المهاجرين".

وتختم "هاني بيرينز"، خبيرة الهجرة، بضرورة إجراء نقاش جاد وعاجل: "السرد السائد الآن هو (لا نريد مزيداً من الهجرة)، بينما من مصلحة الجميع التساؤل عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الهجرة في الحفاظ على رفاهيتنا". وتضيف: "بالطبع نحن بحاجة لسياسة تحدد من يبقى ومن يرحل، ولكن يمكننا محاربة الهجرة غير الشرعية وفي الوقت ذاته تسهيل هجرة اليد العاملة المنظمة بناءً على تحليل دقيق لاحتياجات القطاعات المختلفة".

وتشير بيرينز إلى أن دولاً مثل المملكة المتحدة وكندا تسبقنا في هذا المضمار، حيث تعمل وفق خطط طويلة الأمد وتستشير أصحاب العمل وتبني سياساتها على البيانات والتوقعات، "وهذا هو المسار الذي يجب أن نسلكه".