صمودٌ في وجه التحريض.. لماذا تُستهدف الجالية الكوردية في اليابان سياسياً؟

أربيل (كوردستان24) في وقتٍ تزداد فيه مساهمات الكورد في بناء المجتمع الياباني، تجد هذه الجالية الصغيرة نفسها اليوم في قلب عاصفة من الهجمات اليمينية الممنهجة. ورغم دورهم الفعال في سد فجوات سوق العمل، إلا أنهم باتوا كبش فداء لسياسات قومية متشددة كان الأجدر بها أن تحتضنهم بدلاً من تهميشهم.

في السادس من حزيران الماضي، قدّمت مجموعة من برلمانيي الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم مقترحاً لسياسة الهجرة تحت شعار "الهدف: صفر مقيمين أجانب غير شرعيين". ورغم أن العنوان يبدو إدارياً، إلا أن توقيته ومحتواه عكس رغبة في التضييق على الفئات الأكثر هشاشة، بمن فيهم الكورد الذين يواجهون صعوبات قانونية ناتجة عن تعقيدات نظام اللجوء الياباني. هذا التحول المتشدد يتناقض بشكل صارخ مع حاجة اليابان للعمالة الأجنبية، والتي سد الكورد جزءاً كبيراً منها عبر سنوات من الكدح والعمل الجاد.

ما يُطلق عليه البعض اليوم "المشكلة الكوردية" في مدينتي وارابي وكاواغوتشي، ليس في الحقيقة سوى "أزمة استهداف" لجالية تعيش بسلام منذ التسعينيات. بدأت حملات التحريض تأخذ طابعاً وطنياً بعد حادثة فردية في تموز 2023، حيث تم استغلال خلاف شخصي بسيط بين أفراد من الجالية لتشويه صورة مجتمع كامل. وبينما كان يمكن التعامل مع الحادثة كأي إشكال قانوني عادي، استغلتها جماعات اليمين المتطرف والمحرضون لتأجيج مشاعر الكراهية.

الأرقام تعكس حجم المأساة؛ فقد رصدت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية (NHK) حملة شعواء في الفضاء الإلكتروني بلغت 25 مليون منشور تحريضي استهدفت الكورد خلال عامين فقط. هذا "الإرهاب الرقمي" ترجمته جماعات اليمين على أرض الواقع عبر مظاهرات تنشر خطاب الكراهية في مناطق سكن الكورد، مما خلق جوّاً من الخوف وعدم الأمان لعائلات كوردية لا تنشد سوى العيش بكرامة.

المقلق في الأمر هو انجراف بعض القيادات السياسية خلف هذا الخطاب الشعبوي؛ فبدلاً من حماية الأقلية الكوردية من التنمر، دعا قياديون في الحزب الحاكم، مثل كونو تارو وإيتسونوري أونوديرا، إلى إجراءات صارمة وربطوا بين "التعايش" و"النظام العام" بلغة تلمح إلى أن الكورد هم مصدر القلق، متجاهلين أن "النظام العام" يقتضي أولاً حماية السكان من حملات الكراهية والتمييز العنصري.

الحقيقة التي يتم تغييبها هي أن الجالية الكوردية لا تتجاوز 3000 نسمة، أي أقل من 0.1% من إجمالي الأجانب في اليابان. هذا التركيز المبالغ فيه على جالية بهذا الحجم يكشف بوضوح أن القضية مسيسة وليست أمنية. حتى قائد شرطة محافظة سايتاما أكد بوضوح أن "الوضع الإجرامي المرتبط بالجنسية التركية (التي يحملها معظم الكورد) ليس خطيراً بشكل خاص"، مما يفند ادعاءات اليمين المتطرف. أما المشاكل اليومية البسيطة مثل "إلقاء النفايات" أو "الضوضاء"، فهي قضايا مجتمعية ناتجة عن غياب برامج الدمج الحكومية، وكان يمكن حلها بالحوار بدلاً من تحويلها إلى قضية أمن قومي.

إن معاناة الكورد في اليابان تكمن في "الهشاشة القانونية". فالكثير منهم فروا من الاضطهاد في أوطانهم باحثين عن الأمان، ليصطدموا بنظام لجوء ياباني شديد القسوة يرفض الاعتراف بحقوقهم كلاجئين، مما يضعهم في دوامة "عدم التسجيل" والاحتجاز.

إن الحل لا يكمن في شعارات "الصفر أجانب"، بل في سياسات إنسانية تمنح هؤلاء العمال المجتهدين وعائلاتهم وضعاً قانونياً مستقراً، وتوقف آلة التحريض التي تحاول تمزيق نسيج المجتمع الياباني عبر استهداف جالية كوردية لم تطلب سوى حق الحياة والعمل بسلام.

المصدر جریدة The Diplomat