صفقة التريليونات.. نحو حسم مصير حرب أوكرانيا "بعيداً عن كييف"
اربیل (کوردستان24)-أبلغت الولايات المتحدة كلاً من روسيا وأوكرانيا بضرورة وقف الحرب بحلول شهر حزيران/يونيو من هذا العام. كما حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن روسيا قدمت مقترحاً اقتصادياً للولايات المتحدة بقيمة 10 تريليونات يورو. فهل تواجه أوكرانيا خطر أن تصبح "كبش فداء" هذا الربيع؟
لم تسفر محادثات السلام في أبو ظبي الأسبوع الماضي عن أي نتائج ملموسة، لكن الشكوك تتزايد في كييف. يقول الرئيس زيلينسكي إن لديه مؤشرات عبر أجهزة الاستخبارات ووسائل الإعلام على أن الولايات المتحدة وروسيا تستكشفان مسارات اقتصادية بموازاة محادثات السلام.
ووفقاً له، فإن مبعوث بوتين ورئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، كيريل ديمترييف، قد سافر إلى الولايات المتحدة لمناقشة تلك الخطط الاقتصادية دون حضور كييف على طاولة المفاوضات. قد يكون لهذه الحزمة تداعيات إقليمية أو أمنية على أوكرانيا، ويؤكد زيلينسكي أن بلاده لن تقبل أي تسوية تُبرم دون علمها.
ووفقاً لبيورن سونينز، الصحفي في والخبير في الشأن الأمريكي، فإن هذه الصفقة تتماشى تماماً مع النمط الذي ظهر سابقاً: "كلما جرى الحديث عن السلام، يحوله الروس إلى ملف اقتصادي". ويرى سونينز أن ترامب قد يميل لهذا التوجه، قائلاً: "إنه رجل صفقات عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد والمنفعة الشخصية. يحاول ترامب اختزال الحرب في صفقة تجارية، تماماً كما حدث سابقاً في صفقة المعادن مع أوكرانيا".
ويقول الرئيس الأوكراني أيضاً إن الإدارة الأمريكية أعربت عن توقعات واضحة؛ فبحسب استخباراته، تريد واشنطن من أوكرانيا وروسيا إنهاء الحرب بحلول شهر حزيران/يونيو، ويرتبط ذلك بانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر من هذا العام. وأضاف زيلينسكي: "نحن نفهم أن الأمريكيين سيصبّون جلّ اهتمامهم على العمليات السياسية المحلية، فهذه الانتخابات هي الأهم بالنسبة لهم بكل تأكيد".
لكن سونينز يعلق قائلاً: "أعتقد أن انتخابات التجديد النصفي لا علاقة لها بأوكرانيا، فالأمريكيون لا يبالون بشأن أوكرانيا، ولم تعد تشكل أولوية لديهم. ما يهم حقاً هو أن ترامب يريد القيام بضربة دعائية في العام الذي تحتفل فيه أمريكا بمرور 250 عاماً على تأسيسها – والذي سيشهد احتفالات كبرى في حزيران/يونيو 2026 – كما ستقام في الشهر ذاته بطولة كأس العالم لكرة القدم. إنه شهر ستتجه فيه أنظار العالم إليه، وأعتقد أنه يهدف إلى ذلك تحديداً".
وعلى الرغم من أن المبالغ تبدو خيالية، إلا أن التقارير الأمريكية تشير إلى أن المقترح الاقتصادي الروسي يتعلق بالفعل بـ"تريليونات". وللمقارنة، يبلغ حجم الاقتصاد الروسي سنوياً حوالي 2500 مليار دولار (حوالي 2300 مليار يورو)، وهو جزء بسيط من الـ 10 تريليونات يورو (أي 10,000 مليار يورو) التي يتم الحديث عنها الآن.
تُعد هذه الصفقة الاقتصادية مبلغاً ضخماً للغاية، رغم أنه من غير المعروف ما إذا كانت ستتحقق فعلياً. ووفقاً لريا لينين، أستاذة السياسة الدولية بجامعة (KU Leuven)، نلاحظ في وسائل الإعلام الروسية، حتى تلك التي تسيطر عليها الدولة، تزايد الحديث عن مشاكل اقتصادية محددة، مما يعطي انطباعاً بأن هذه الأمور لم يعد من الممكن إخفاؤها، فقد أصبحت الأزمات واضحة جداً للسكان. وإذا تمت هذه الصفقة، فستكون بمثابة دفعة هائلة لبوتين.

تربط روسيا دائماً مقترحاتها الاقتصادية بمطالب إقليمية، فهي تسعى للاندماج مجدداً في الاقتصاد العالمي. لكن سونينز يعتقد أن روسيا ليس لديها الكثير لتقدمه لأمريكا في الواقع، قائلاً: "الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى نفطهم وغازهم. لذا سيتعلق الأمر باستغلال المناطق؛ (أعطونا الدونباس، ويمكنكم الاستفادة معنا من المواد الخام). يحاول بوتين إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ويرى ترامب فرصة: (تخيلوا لو استطعت القول بحلول يونيو إنني أنهيت الحرب في أوكرانيا)".
لكن التخلي عن الأراضي ليس خياراً وارداً بالنسبة لأوكرانيا في الوقت الحالي، فهو يمثل خطاً أحمر. والسؤال هو: ماذا يمكن لأوكرانيا أن تفعله إذا تمت صفقة الـ 10 تريليونات يورو بالفعل؟
يقول سونينز: "أعتقد أن زيلينسكي يتحدث عن ذلك الآن لأنه يريد استباق سياسات الغرف المغلقة، ومحاولة دق ناقوس الخطر قبل أن يصبح الأمر رسمياً – كما فعل سابقاً مع خطة الـ 28 نقطة – لكي يتحرك الحلفاء ويؤكدوا أن هذا الأمر غير مقبول". (خطة الـ 28 نقطة كانت مسودة مقترح تضمنت تنازلات بعيدة المدى مثل خسارة أراضٍ وقيوداً من الناتو).
بهذه الطريقة يحاول زيلينسكي تعبئة أوروبا، لكن أوروبا لا تملك سوى مواصلة استقباله في الإليزيه أو "10 داونينغ ستريت" لتظهر لترامب أنها مستمرة في دعم أوكرانيا، كنوع من "الحاجز الأمني الدعائي" لمنع الولايات المتحدة من الذهاب بعيداً في صفقاتها. وهكذا يستمر الوضع في حالة من التخبط.
وفي هذه الأثناء، تستمر روسيا في استهداف أوكرانيا؛ ففي نهاية الأسبوع الماضي، غرق جزء كبير من البلاد في الظلام والبرد بعد هجوم روسي واسع النطاق على قطاع الطاقة.
وترى لينين أن المشهد يبدو قاتماً بالنسبة لأوكرانيا: "إذا جرى اتخاذ القرار بين الولايات المتحدة وروسيا بمعزل عن أوكرانيا، أخشى ألا يتمكن زيلينسكي من فعل الكثير، سوى التمسك بموقفه بشأن الدونباس. إلا إذا قررت القوى الاقتصادية الأوروبية الكبرى الوقوف بكل ثقلها خلف أوكرانيا ومعارضة الصفقة بين روسيا والولايات المتحدة، لكننا لم نرَ ذلك يحدث مؤخراً، ولا أرى سبباً لتغيره فجأة الآن".
المصدر: جریدة دي مورغن البلجیکیة.