منظمة غير حكومية تبحث من السماء عن قوارب مهاجرين في خطر
أربيل (كوردستان 24)- يحلق طيار يعمل مع منظمة غير حكومية لإنقاذ المهاجرين، فوق مياه المحيط الأطلسي بحثا عن قوارب في مأزق، ويقول وهو يمسح المنطقة الواقعة قبالة سواحل غرب إفريقيا "مع هذا المحيط الهائج والرياح العاتية، كلّ ساعة بحث تكون حاسمة".
تقوم منظمة "مبادرة الطيارين الإنسانيين" (هيومانيتاريان بايلوتس إينيشاتيف) بعمليات مراقبة جوية فوق المحيط الأطلسي، في مهمة صعبة تقضي برصد زوارق خشبيّة لا يتجاوز طولها عشرين مترا وسط مساحة مترامية عن ارتفاع 450 مترا.
ويقول الطيار ملخصا التحدي المطروح، إنّ الذين يقومون بهذه الرحلة "معرضون للموت من الجفاف أو الحر أو انخفاض حرارة الجسم".
وقضى أكثر من ثلاثة آلاف مهاجر عام 2026 بحسب منظمة "كاميناندو فرونتيراس" الإسبانية، وهم يحاولون الوصول إلى إسبانيا بحثا عن مستقبل أفضل. وقتل معظمهم خلال رحلات من إفريقيا إلى جزر الكناري عبر المحيط الأطلسي.
فمع تشديد الدول الأوروبية مراقبة حدودها وفرضها قيودا صارمة على منح التأشيرات، بات المهاجرون مرغمين على سلوك هذا الطريق المحفوف بالمخاطر.
وتنشط "مبادرة الطيارين الإنسانيين" منذ العام 2016 في وسط البحر المتوسط حيث ساهمت في رصد أكثر من ألف قارب دعما لسفن الإنقاذ التابعة لمنظمات غير حكومية دولية، وهي تقوم حاليا بمهمتها الثالثة على هذا المسار البحري خلال تسعة أشهر.
وتمكن صحافي من وكالة فرانس برس من متابعة فريق المنظمة السويسرية على مدى عدّة أيام.
- "منطقة رمادية" -
وأوضح عمر المنفلوطي، أحد طيّاري المنظمة الذين يقودون الطائرة الخفيفة الوزن من طراز بيتشكرافت 58 بارون التي أطلقوا عليها اسم "سي بيرد" أو طائر البحر"، "المحيط الأطلسي هائل، من المستحيل تغطية الطريق الذي تسلكه القوارب الخشبية بالكامل".
وتابع "إننا نركز بصورة خاصة على المناطق التي تغيب عنها جهات أخرى، على مسافة ما بين 300 و500 ميل بحري من جزر الكناري. إنّها منطقة رماديّة غالبا ما تصل إليها فرق الإغاثة متأخرة".
وقالت سميرة، المنسّقة التكتيكيّة للمهمة والتي لم تشأ ذكر اسمها بالكامل بسبب تهديدات تتلقاها المنظمة في عدة بلدان أوروبية ، "من الجو لدينا سرعة ورؤية أفضل من السفن".
وعند رصد مركب مهاجرين، يتمّ إطلاق الاستجابة الطارئة بالتنسيق مع السفن التجارية القريبة، وتتولّى هيئة الإنقاذ الحكومية الإسبانية العملية.
في صباح أحد أيام كانون الثاني/يناير، تلقت المنظمة إنذارا من منظمة "ألارم فون" غير الحكومية، يفيد بفقدان قارب انطلق من غامبيا وعلى متنه 103 أشخاص بينهم تسع نساء وثلاثة أطفال، فتأهّب الفريق على الفور للإقلاع.
وأوضحت سميرة أن "انطلاق المهاجرين من غامبيا يعني خوض رحلة لحوالى ألف ميل بحري ... وظروف البحث تختلف تماما إن تعطّل المحرك في اليوم الأول أو في اليوم الثامن".
ترسم سميرة على جهازها اللوحي عدّة مسارات ممكنة قبالة نواديبو في موريتانيا، في منطقة تتجه فيها المراكب بصورة عامة إلى جزيرة إيل ييرو، أكثر جزر الكناري إلى الغرب، وهو المسار الأبعد من السواحل والأقل مراقبة.
- تحت رحمة الرياح والأمواج -
وعند بلوغ المنطقة، تهبط الطائرة تحت الغيوم وتحلّق في خطوط مستقيمة ومتوازية، فيما يراقب أفراد الطاقم الثلاثة من النوافذ بحثا عن قارب خشبي مغطى بشادر ومكتظّ بالركّاب إلى حد تكاد المياه تبلغ حافّته.
يظهر إنذار جديد على الجهاز اللوحي، يشير إلى فقدان مركب ثان انطلق من غامبيا قبل سبعة أيام وعلى متنه 137 شخصا.
وأوضحت سميرة أنه "من المحتمل أن يكون المركبان تاها في البحر" بسبب الرياح والأمواج.
وسبق أن تاهت مراكب في الماضي عثر عليها في بحر الكاريبي وفي مياه أميركا الجنوبيّة.
وبعد ثلاثة أيام متتالية من التحليق غطّت الطائرة خلالها حوالى 3800 ميل بحريّ، لم يُعثر على أي من القاربين، ولم يكن أي منهما وصل إلى وجهته بتاريخ نشر هذا التقرير.
بالقرب من مركز الاستقبال في لاس بالماس بجزر الكناري، يتأمّل عثمان لي، السنغالي البالغ 25 عاما، شاطئ لاس كانتيراس بعدما وصل أخيرا إلى غران كناريا.
ويغتنم سنغاليون آخرون قاموا بالرحلة معه الطقس المشمس لالتقاط صور.
وبعدما قضوا أياما طويلة مكدّسين في قارب، يجد المهاجرون صعوبة في المشي وتحمل أذرعهم وأيديهم وأرجلهم آثار تقرّحات ناتجة عن المياه المالحة، لكنهم سعداء بوصولهم بأمان.
ويُخرج عثمان هاتفه الجوال الذي نجح في تجفيفه بعد الرحلة للاتصال بوالدته، ويقول "كانت تبحث عنّي منذ 11 يوما".
ويروي أنه بعد صعود المهاجرين على متن القارب، تمت تغطيتهم بشادر لحمايتهم من الشمس في النهار ومن البرد في الليل. يقول "أغمضت عينيّ وفكّرت في أمّي فاطمة".
ولم يرفع عنهم الغطاء إلّا بعد عشرة أيام، حين قامت هيئة الإغاثة البحرية الإسبانية بإسعافهم.
ومن أصل 108 راكبا كانوا في القارب، توفي اثنان خلال عملية الإنقاذ.
ومع انتهاء هذه الرحلة المحفوفة بالموت والخطر، يجلس عثمان على شاطئ لاس كانتيراس متأملا المحيط الذي نجا منه.
المصدر: فرانس برس