جيل الخنادق: 25 ألف طفل أوكراني يتعلمون في مدارس تحت الأرض
أربيل (كوردستان 24)- في مدينة زابوروجيا الأوكرانية، التي لا تبعد سوى 20 کیلومترا عن خط المواجهة المشتعل، حُرم جيل كامل من التعليم التقليدي بسبب القصف الروسي المستمر. اليوم، وبدلاً من الساحات المفتوحة والفصول المشمسة، يضطر 25 ألف طفل للنزول تسعة أمتار تحت سطح الأرض لمواصلة تعليمهم في منشآت بُنيت خصيصاً لتكون حصوناً للعلم وملاذات آمنة من الموت القادم من السماء.
فصول في باطن الأرض
في فصل دراسي صغير يفتقر للنوافذ، تجلس مجموعة من المراهقين لمناقشة طموحاتهم المهنية باللغة الإنجليزية. قد يبدو المشهد اعتيادياً لولا موقعه المحصن تحت الأرض. تصل المعلمة "ناتاليا غوتاروك" يومياً إلى مدرسة "سيشوفي كوليجيوم"، وهي أول مدرسة في أوكرانيا تُبنى تحت الأرض لهذا الغرض. تفتح غوتاروك باباً معدنياً ثقيلاً، وتنزل ثلاثة طوابق لتصل إلى ردهة كُتب بجوارها "مدرسة آمنة".
تقول غوتاروك (43 عاماً): "هذا هو واقعنا. نحاول أن نجعل من هذا المكان ملاذاً يُوهم الأطفال بالحياة الطبيعية". ناتاليا، كغيرها من سكان المدينة، تعيش قلقاً مزدوجاً؛ فهي تبتسم لطلابها في الصباح بينما يظل بالها مشغولاً بابنتها ذات الـ12 عاماً التي تتركها وحيدة في شقتهما بالطابق الثامن، وتتفقد هاتفها باستمرار بحثاً عن تقارير الانفجارات.

التعليم كضرورة للبقاء
ليست مدرسة "سيشوفي" سوى واحدة من 96 مدرسة مماثلة في أوكرانيا، منها 25 مدرسة في زابوروجيا وحدها. ووفقاً لـ "ليودميلا بوخارينا"، نائبة رئيس الإدارة الإقليمية، فإن هذه المدارس لم تعد خياراً بل ضرورة حتمية. وتقول بوخارينا: "أدركنا أننا بصدد خسارة جيل كامل؛ هؤلاء الأطفال عانوا من عامين من العزلة بسبب جائحة كوفيد-19، تلتها أربع سنوات من الحرب. التعليم الحضوري هو السبيل الوحيد لضمان الرفاه النفسي للأطفال واستقرار العائلات التي كانت ستغادر المدينة لولا وجود مكان آمن لأطفالها".
وتخطط السلطات الأوكرانية لإنشاء 150 مدرسة إضافية تحت الأرض بحلول نهاية العام، رغم التكلفة الباهظة، حيث تبلغ تكلفة بناء طابق واحد تحت الأرض خمسة أضعاف تكلفته فوق السطح. وفي مدن أخرى مثل "خاركيف"، تم تحويل محطات المترو إلى مدارس مؤقتة لمواجهة النقص في المنشآت المحصنة.
الحرب في التفاصيل اليومية
خارج جدران المدرسة، تتجلى وحشية الحرب؛ حيث تعرضت عيادة ومستشفى ولادة وملجأ للحيوانات للقصف مؤخراً. وفي الداخل، تُبذل جهود حثيثة لتبديد وحشة "القبو"؛ فالجدران مزينة برسومات ملونة، والمقاعد مطلية بالأصفر، والإضاءة مصممة لتبدو كضوء النهار. ومع ذلك، يظل صوت الحرب مسموعاً؛ فكل صباح في تمام التاسعة، يقف الجميع دقيقة صمت حداداً على أرواح القتلى، قبل أن يُعزف النشيد الوطني.
تروي غوتاروك بأسى قصة تلميذها السابق "أندريه بروتسينكو"، الذي قُتل في معركة "بوكروفسك" عن عمر يناهز 21 عاماً. غادرت غوتاروك فصلها لتشارك في جنازته، لتعود بعدها مباشرة لمواصلة التدريس، مؤمنة بأن استمرار التعليم هو أرقى أشكال المقاومة.

الندوب النفسية: جروح لا تُرى
لا تقتصر آثار الحرب على تدمير الحجر، بل تمتد لتفتك بنفوس الصغار. الدكتورة "أولينا أنوبرينكو"، رئيسة قسم الدعم النفسي في مستشفى "أوخماتديت" بكييف، تؤكد أن حالات الاكتئاب والقلق ومحاولات الانتحار ارتفعت بنسبة 86% بين الأطفال.
وتضيف الأخصائية النفسية "أولها غاميدوفا" أن هناك أطفالاً في عمر السادسة يرفضون ترك أمهاتهم حتى لدقائق، بينما تروي زميلتها "أناستاسيا توكارتشوك" قصة فتاة تبلغ من العمر 12 عاماً أصيبت بشلل تشنجي في ساقيها دون سبب عضوي، وهو رد فعل جسدي على الصدمة النفسية العنيفة التي تعرضت لها في قريتها المدمرة.
حتى السلوكيات العدوانية والتنمر بدأت تظهر بين التلاميذ كآلية دفاعية غير واعية ضد الخوف المستمر. تقول غوتاروك: "عندما ننظر إلى صور قديمة لنزهات مدرسية، ندرك بمرارة أن العديد من الآباء الذين ظهروا في تلك الصور قد فارقوا الحياة الآن".

صمود الأمل تحت الركام
رغم قسوة الظروف، يمثل افتتاح هذه المدارس لحظات من "النشوة" للأطفال الذين سئموا العزلة خلف شاشات "زووم". تصف "يانا فرانكو" (12 عاماً) حماسها لرؤية زميلاتها قائلة: "كنا نعانق بعضنا البعض بجنون، لنلمس حقيقة وجودنا خارج الشاشات".
وفي حين كانت أحلام الأطفال في السابق تتمحور حول الثراء أو الوظائف المرموقة، انحصرت طموحاتهم اليوم في أمنيات بسيطة ومؤلمة. تقول الطالبة "أرينا بولوسمياك": "نتمنى فقط أن تنتهي الحرب، وأن تصبح السماء خالية من الطائرات المسيرة".
في نهاية اليوم الدراسي، الذي ينقسم لعدة مناوبات للاستفادة من المساحة المحدودة، يغادر الأطفال "مخبأهم" التعليمي مسرعين للحاق بحافلاتهم في لحظات الهدوء الهشة بين صفارات الإنذار. تودعهم المعلمة ناتاليا بعبارة أصبحت شعاراً للبقاء في أوكرانيا: "كونوا بأمان، وليلة هادئة".
المصدر: جریدة تایمز البریطانیة