عام "الحصان الناري" 2026.. حين يمتزج اللهب بالعنفوان

أربيل (كوردستان24)- في الدورة الفلكية الصينية التي تمتد لستين عاماً، ما من سنة تثير من الجدل والرهبة والحماس ما تثيره سنة "الحصان الناري" (Fire Horse). نحن الآن على أعتاب هذا العام الاستثنائي الذي سيطل علينا في 17 شباط/فبراير 2026، ويستمر حتى 5 شباط/فبراير 2027. إنه العام الذي يصفه المنجمون والمؤرخون الثقافيون بأنه "عام الانفجارات الكبرى"؛ ليس بالضرورة بمعناها المادي التصادمي، بل بمعناها الفكري والاجتماعي والسياسي. فما هو سر هذا العام؟ ولماذا كانت الأمهات في الماضي يخشين الولادة فيه؟ وكيف سيتشكل وجه عالمنا الحديث تحت حوافره؟

الكيمياء الفلكية: عندما تجتمع النار مع النار

تعتمد التقويمات الشرقية على مزيج معقد يجمع بين 12 حيواناً و5 عناصر أساسية هي: (الخشب، النار، الأرض، المعدن، والماء). وبما أن "الحصان" ينتمي بطبعه إلى عنصر "النار"، فعندما تلتقي السنة بعنصر "النار" أيضاً، نكون أمام ظاهرة يطلق عليها "النار المزدوجة".

هذا المزيج يولد طاقة "يانغ" (Yang) مطلقة؛ وهي طاقة ذكورية، حادة، متسارعة، ولا يمكن كبح جماحها. فالحصان الناري لا يخطو وئيداً، بل يركض بجموح، مما يصبغ العام بصبغة السرعة الفائقة في اتخاذ القرارات، والتقلبات الحادة في الأسواق، والشرارات التي قد تشعل ثورات ثقافية أو قفزات علمية غير مسبوقة.

"لعنة" الحصان الناري: تاريخ من الرهبة الاجتماعية

تعتبر سنة الحصان الناري (وتعرف بـ Hinoe Uma باليابانية) من أكثر السنوات إثارة للجدل في الوجدان الآسيوي. تزعم الأساطير الشعبية القديمة أن المواليد الذين يبصرون النور في هذا العام، وخاصة الإناث، يتسمون بطباع حادة وعناد مستعر، لدرجة قيل معها قديماً إنها طاقة "تلتهم" استقرار الأسرة وسكينتها.

لم تكن هذه الخرافة مجرد قصص عابرة، بل كان لها تأثير ديموغرافي حقيقي ومذهل في العصر الحديث. ففي عام 1966 (آخر عام للحصان الناري)، سجلت اليابان انخفاضاً حاداً في معدلات المواليد بنسبة وصلت إلى 25%. لم يكن ذلك التراجع نتاج كارثة طبيعية أو حرب، بل لأن العائلات آثرت تجنب الإنجاب في ذلك العام خوفاً من "المصير" المفترض للمواليد الجدد. ومع ذلك، يفند الواقع التاريخي هذه المخاوف؛ إذ أثبت مواليد هذا العام أنهم قادة ملهمون، وفنانون مبتكرون، وشخصيات تمتلك كاريزما لا تقاوم، ومن بينهم مشاهير غيروا وجه العالم بشجاعتهم وإقدامهم.

 

العودة بالذاكرة: ماذا حدث في 1966؟

لفهم ما يخبئه لنا عام 2026، يجب أن نستنطق أحداث "شقيقته" سنة 1966، التي كانت عاماً مفصلياً بكل المقاييس:

في الصين: اندلعت شرارة "الثورة الثقافية"، وهي الحركة التي أعادت صياغة وجه البلاد تماماً، واتسمت بالعنفوان والتطرف في التغيير.
في الغرب: بلغت حركة "الهيبيز" وصرعات التمرد الشبابي ذروتها، وظهرت مفاهيم ثورية في الموسيقى والفن (مثل ألبوم Revolver لفرقة البيتلز).
تكنولوجياً: اشتعلت وتيرة السباق الفضائي ووصلت إلى ذروة التنافس بين القوى العظمى.
تلك السنة لم تكن هادئة قط، بل كانت "نارية" في قراراتها وصراعاتها، وهو ما يعطينا مؤشراً قوياً على أن عام 2026 لن يكون عام "الانتظار والترقب"، بل عام "الفعل والاندفاع".

توقعات 2026: عالم على صفيح ساخن من الابتكار

بالنظر إلى المعطيات الراهنة، يتوقع الخبراء أن يمثل عام الحصان الناري 2026 نقطة الانفجار الكبير في عدة مجالات حيوية:

أ. ثورة الذكاء الاصطناعي الثانية:

إذا كان عام 2023 هو عام "اكتشاف" الذكاء الاصطناعي، فإن 2026 سيكون عام "التمرد التقني". قد نشهد صراعات قانونية وأخلاقية كبرى، أو ظهور تقنيات تخرج عن أطر السيطرة التقليدية، تماماً كما يرفض الحصان الناري اللجام والقيود.

ب. الاقتصاد والأسواق:

يتسم الحصان الناري بالتقلب المزاجي؛ لذا قد تشهد الأسواق قفزات جنونية تليها تصحيحات حادة ومفاجئة. وسيكون الاستثمار في قطاع "الطاقة" (بما أنها سنة النار) هو المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي، مع تحولات جذرية نحو الطاقة المتجددة أو اختراقات في مجال الاندماج النووي.

ج. المناخ والبيئة:

بما أنها سنة "النار المزدوجة"، يحذر خبراء المناخ من صيف قد يكون الأكثر حرارة في التاريخ المسجل، مع توقعات بزيادة نشاط الحرائق واتساع رقعة الجفاف، مما يستدعي استعدادات دولية غير مسبوقة لمواجهة هذا "التطرف المناخي".

 

شخصية "مولود الحصان الناري": القائد الجامح

إذا كنت تترقب استقبال مولود في عام 2026، فاستعد لتربية طفل فريد من نوعه. يتميز مواليد الحصان الناري بصفات مستمدة من الموروث الثقافي الشرقي:

الاستقلالية التامة: لا يقبلون الإملاءات أو الأوامر، ويفضلون شق مساراتهم الخاصة بجرأة.

الذكاء الوقاد: يتمتعون ببديهة حاضرة وقدرة فائقة على فك أعقد المشكلات في ثوانٍ معدودة.

الجاذبية الطاغية: يمتلكون حضوراً يأسر الألباب، مما يجعلهم دوماً محط الأنظار والاهتمام.

عشق التحدي: تكمن معضلتهم الكبرى في "الملل"؛ فهم يحتاجون دوماً إلى وقود متجدد لاهتماماتهم، وإلا استحال زخمهم طاقة تدميرية.

كيف تنجو وتزدهر في عام الحصان الناري؟

يقدم الحكماء استراتيجيات محددة للتعامل مع طاقة هذا العام الهادرة:

المرونة: لا تحاول الوقوف في وجه الإعصار، بل تعلم كيف تبحر معه؛ فالقرارات المتصلبة قد تنكسر تحت وطأة ضغط طاقة النار.

ضبط النفس: بما أن العنصر الطاغي هو النار، فإن النزاعات قد تشتعل من أبسط الأسباب. لذا، سيكون "الحلم" وضبط الانفعالات هما العملة الأغلى في 2026.

الحسم: الحصان يكره التردد. إذا كان لديك مشروع مؤجل، فهذا هو التوقيت المثالي لإطلاقه، شريطة أن تكون مستعداً لسباق طويل الأمد.

 

خاتمة: عام لا يُنسى

إن عام الحصان الناري 2026 ليس مجرد رقم عابر في التقويم، بل هو حالة ذهنية عالمية مرتقبة. إنه يدعونا جميعاً لنفض غبار الركود، واحتضان التغيير بقلوب جسورة. قد يكون عاماً محفوفاً بالتحديات، وقد يتسم بشيء من الفوضى، لكنها "الفوضى الخلاقة" التي تسبق انبلاج فجر جديد.

وكما يقول المثل الصيني القديم عن الحصان: "لا يمكن للحدود أن تحجز خيلاً تسابق الريح". فاستعدوا، لأن العام القادم سيكون رحلة برية جامحة في قلب اللهب، حيث البقاء ليس للأقوى فحسب، بل للأسرع بديهة والأكثر شجاعة في ركوب أمواج التغيير.

المصادر: جریدة نیویورک تایمز و ارشیف بي بي سي