رهان كييف لعام 2026: تحويل الحرب إلى استنزاف قاتل

جندي أوكراني يُجهز طائرة بدون طيار
جندي أوكراني يُجهز طائرة بدون طيار

 أربيل (كوردستان24)- بينما يواصل دونالد ترامب الضغط على كييف لانتزاع اتفاقية سلام سريعة، حقق الأوكرانيون في غضون خمسة أيام فقط أكبر مكاسبهم الميدانية منذ عام 2023. وفي الوقت نفسه، بدأت تبعات أزمة "ستارلينك" والخسائر البشرية الفادحة تُلقي بظلالها الثقيلة على كاهل الجيش الروسي.

منذ أشهر، لم يحقق الجيش الروسي أي مكاسب إقليمية تُذكر، لكن المشهد تبدّل منذ الأسبوع الماضي؛ إذ بدأ الروس في فقدان السيطرة على مساحات من الأراضي. فبين 11 و15 فبراير، تمكن الجيش الأوكراني من استعادة ما يقارب 200 كيلومتر مربع، وهو ما يمثل أسرع تقدم للقوات الأوكرانية منذ أكثر من عامين ونصف، وفقاً لبيانات "معهد دراسات الحرب".

وعلى الرغم من أنه لا يزال من المبكر الحديث عن "نقطة تحول" جذرية أو هجوم مضاد شامل، إلا أن ثمة تصدعاً واضحاً في الصفوف الروسية. ويكمن السبب الرئيسي وراء هذا التراجع في منظومة "ستارلينك"؛ فمنذ أوائل شباط/فبراير، حُرم الجنود الروس من الوصول إلى شبكة الأقمار الصناعية التابعة لإيلون ماسك. وبناءً على طلب وزير الدفاع الأوكراني الجديد، ميخايلو فيدوروف، قام ماسك بفصل محطات "ستارلينك" غير المسجلة رسمياً داخل أوكرانيا، والتي كان الجيش الروسي يستخدمها بشكل غير قانوني. وبدون هذه التقنية، فقدت هجمات المسيرات الروسية دقتها، وبدأ الجنود على خطوط المواجهة يعانون من ارتباك لوجستي وتقني واضح، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل سيستمر هذا الانهيار؟

المنطقة الرمادية وميدان القتل

يبدو الوضع العسكري الروسي اليوم أسوأ مما كان عليه قبل أشهر؛ إذ يرى المحلل العسكري الأمريكي، مايكل كوفمان، في مجلة "فورين أفيرز" أن أوكرانيا ستكون في وضع أفضل مطلع عام 2026 مقارنة ببداية 2025. لقد تحول خط المواجهة بالكامل إلى "منطقة رمادية"، مما يجعل تحديد نقاط السيطرة أمراً في غاية الصعوبة، حيث تشكلت "منطقة قتل" بعرض يتراوح بين 15 و20 كيلومتراً على طول الجبهة. أي تحرك عبر هذا الخط يُجابه باستهداف فتاك، غالباً بواسطة الطائرات المسيرة، رغم بقاء المدفعية رقماً صعباً في المعادلة.

وعلى الرغم من أن روسيا زادت إنتاجها من قذائف الهاون والمدفعية بنسبة تتراوح بين 10 و30% مقارنة بعام 2024 (وفقاً لوثائق نشرتها مجلة "ميليتارني" الأوكرانية)، وعوضت عجزها في إنتاج المسيرات، إلا أن كوفمان يؤكد أن "قواعد اللعبة ستتغير هذا العام".

استراتيجية "الاستنزاف الأقصى"

تسعى أوكرانيا لجعل الحرب باهظة الثمن لروسيا، اقتصادياً وعسكرياً. وهذا هو جوهر خطة "فيدوروف"، الذي تولى حقيبة الدفاع الشهر الماضي؛ إذ تهدف استراتيجيته المعلنة إلى جعل الحرب "مميتة" لدرجة لا يستطيع بوتين تحمل تبعاتها السياسية والداخلية. ورغم قدرة روسيا السابقة على تعويض خسائرها البشرية، إلا أن وصول عدد القتلى والجرحى إلى 35 ألفاً في ديسمبر الماضي اعتُبر نقطة إنذار، ويطمح فيدوروف لرفع هذا الرقم إلى 50 ألف "خسارة بشرية" شهرياً لكسر إرادة القتال لدى موسكو.

وفي حين يُشاع أن بوتين يملك اليد العليا في "حرب الاستنزاف" التي تدخل عامها الخامس، إلا أن فيدوروف يراهن على قلب الطاولة، مدعوماً بتوقعات كوفمان التي تشير إلى صعوبة حشد جنود جدد في روسيا، خاصة وأن "كل من انضم للجيش من أجل المال قد فعل ذلك بالفعل".

لا تنازلات في جنيف

تنعكس هذه التطورات الميدانية على طاولة المفاوضات؛ فبينما تجتمع روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في جنيف (بدلاً من أبو ظبي)، لا تزال موسكو تتلكأ في قبول "خطة النقاط العشرين"، حيث يصر بوتين على السيطرة الكاملة على إقليم دونباس. ويرى مراقبون أن إرسال بوتين للمتشدد "فلاديمير ميدينسكي" لرئاسة الوفد الروسي هو رسالة تعنت واضحة.

في المقابل، يرفض الأوكرانيون التخلي عن دونباس، التي يقطنها أكثر من 200 ألف نسمة، معتبرين أن إجبار الروس على احتلالها عسكرياً سيكلفهم مئات الآلاف من الأرواح. ومع تجدد ضغوط دونالد ترامب على الرئيس زيلينسكي للقبول بخطة السلام والتنازل عن الأراضي، يصر الأخير على أن السلام الحقيقي يتطلب ضغطاً أمريكياً على روسيا لا على أوكرانيا. ويبقى السؤال الكبير: هل سيستخدم ترامب ورقة "إيلون ماسك" للضغط على كييف، أم أن الميدان سيكون له الكلمة الأخيرة؟

المصدر: صحیفة ستاندارد البلجیکیة.