"كويـه".. مدينة الشعر والمقام وسحر ليالي رمضان
أربيل (كوردستان 24)- بين جبل "باواجي" ومرتفعات "هيبت سلطان"، تتربع مدينة "كويـه" (كويسنجق) كأيقونة ثقافية وتاريخية في إقليم كوردستان العراق.
في جولة خاصة لبرنامج "زاف" مع الإعلامية نيان بارزان الذي يقدم على شاشة كوردستان24، تأخذنا الكاميرا في رحلة ليلية عبر أزقة هذه المدينة التي تمتاز بخصوصية فريدة في لغتها، وطعامها، وفلكلورها الأصيل، خاصة خلال شهر رمضان المبارك.
لا يمكن زيارة كويه دون تذوق أطباقها الشهيرة. في شوارعها النابضة بالحياة ليلاً، يزدحم الأهالي حول عربات "أكل الشارع" والمطاعم الشعبية.
يتميز مطبخ كويه بنكهة خاصة؛ حيث تشتهر المدينة بـ "الدولمة" (ورق العنب المحشو) الذي يُعد بلمسة محلية تختلف عن بقية المدن الكوردية، كما يفتخر أصحاب المطاعم بتقديم الأطباق الكوردية التقليدية التي تشرف على إعدادها نساء المدينة، مما يضفي طابعاً منزلياً دافئاً على المذاق.
وفي جانب آخر، تشتهر المدينة بجودة منتجاتها من الألبان، وخاصة (لبن - زبادي كويه)، الذي يعتبره الأهالي الأفضل في المنطقة نظراً لاعتماده على الطرق التقليدية والإنتاج المحلي الصافي من القرى المحيطة.
يمتاز أهل كويه بلهجة كوردية خاصة (السورانية بلكنة كويـه) تميزهم فور حديثهم. وفي لقاءات مع المواطنين في المقاهي الشعبية، برزت روح الفكاهة والترحاب، حيث الكلمة الأكثر تداولاً هي "مارا بابا" التي تعبر عن الود والمحبة.
كما يشتهر أهل المدينة بـ "الألقاب المتناقضة"، حيث يطلقون أحياناً ألقاباً تعاكس صفات الشخص من باب الدعابة والمحبة، مثل إطلاق لقب "الجميل" على من يفتقد الجمال، أو "الذكي" على البسيط.
في "قشلة كويه" التاريخية، تجتمع الأجيال في ليالي رمضان لممارسة الألعاب الشعبية المتوارثة، وأبرزها لعبة "كلاو كلاواني" (لعبة القبعات).
هذه اللعبة التي تعتمد على الذكاء وسرعة البديهة والروح الجماعية، لا تزال تحافظ على رونقها كجزء أساسي من السهرات الرمضانية، حيث يجلس الكبار والصغار في حلقات يملؤها الحماس والأغاني الفلكلورية.
تعتبر كويه "عاصمة الثقافة" الكوردية غير الرسمية، فهي مسقط رأس كبار الشعراء والمناضلين، أمثال الشاعر "دلدار" مؤلف النشيد الوطني الكوردي (أي رقيب)، والشاعر الكبير "حجي قادر كويي" و"عثمان عوني".
وفي زوايا مقاهيها الثقافية، لا يزال صدى المقامات الكوردية الكلاسيكية يتردد، حيث يمتزج العزف على آلة "الكلارنيت" مع الإيقاعات التراثية، ليروي قصة مدينة صمدت أمام الزمن متمسكة بهويتها الأدبية والفنية.
ورغم غزو الآلات الحديثة، لا تزال الأسواق القديمة في كويه تضم حرفيين متمسكين بمهن الأجداد، مثل الخياطة اليدوية وتصليح الأدوات القديمة، حيث يعتبر هؤلاء الحرفيون أن مهنتهم ليست مجرد مصدر رزق، بل هي أمانة تاريخية ورثوها عن آبائهم منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
إن "كويـه" ليست مجرد مدينة جغرافية، بل هي حالة شعورية يمتزج فيها عبق التاريخ بروح العصر. مدينة علمت أهلها أن الفكر والأدب يسبقان السلطة والمال، وظلت أزقتها شاهدة على أن الكورد يمتلكون عمقاً ثقافياً لا ينضب، يتجلى بوضوح في كل ليلة رمضانية تجمع أبناء هذه المدينة العريقة.