بلومبرغ: الصراع الإيراني يعطل التجارة العالمية
أربيل (كوردستان24)- في مساء الأول من مارس، أغلقت ناقلة نفط جهاز الإرسال والاستقبال الخاص بها على بعد 25 كيلومترا شرق الشارقة، قبل أن تتوارى وسط تشويش كثيف للإشارات فوق مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق الذي يصل الخليج العربي بالمحيط المفتوح، وبعد 10 ساعات عاد جهازها للبث مجددا شمال أبوظبي مباشرة، أثناء مواصلتها الإبحار باتجاه البحرين.
منذ السبت قبل الماضي، حين بدأت الضربات الجوية التي نفذتها أمريكا وإسرائيل ضد إيران، لم يتمكن سوى عدد محدود من السفن من عبور المضيق، وردت طهران بإطلاق مسيرات وصواريخ استهدفت مواقع في مختلف أنحاء الخليج.
يظهر تحليل أعدته "بلومبرغ" لبيانات الشحن خلال الفترة من 1 إلى 6 مارس أن حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز تراجعت 85% مقارنة بالفترة ذاتها العام الماضي؛ ويبدو أن خمس هذه الرحلات جرى في ظل إيقاف نظام التعريف الآلي.
بعد مرور أسبوع على اندلاع الصراع، بدأت تداعياته تنعكس بوضوح على التجارة العالمية، مع اضطرابات حادة في الشحن البحري والجوي أربكت الأسواق وأسهمت بصعود أسعار البنزين والأسمدة. ويتوقع أن تتفاقم هذه الاضطرابات مع امتداد تأثير الهجمات وتعطل بعض أكثر مراكز الخدمات اللوجستية ازدحاماً في العالم داخل شبكة التجارة الدولية.
تمثل الإمارات وقطر محورين رئيسيين في شبكة الشحن البحري والجوي، حيث تمر عبرهما تدفقات ضخمة من البضائع المعاد شحنها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا عبر الموانئ والمناطق الحرة ومجمعات المستودعات المنتشرة حول المطارات.
على مقربة من مطار دبي الذي يستقبل في الأوضاع الطبيعية نحو 1000 رحلة يومياً، تقع المدينة العالمية للخدمات الإنسانية، بوصفها منطقة حرة مخصصة لإمدادات الإغاثة الدولية، إلى جانب احتضانها مراكز تابعة لمنظمة الصحة العالمية وغيرها من الوكالات.
اضطراب الشحن الجوي
قالت الأستاذة في إدارة سلاسل التوريد والمسؤولية الاجتماعية في كلية هانكن بفنلندا سارة شيفلينج "الوضع استثنائي لأنه يستهدف ممرا بحريا حيويا، ويصيب في الوقت ذاته مركز نقل متعدد الوسائط. والمشكلة في نظام المحور والفروع أن أي خلل يطال المحور ينعكس فورا على الشبكة بأكملها".
بحلول الأربعاء، جرى إلغاء 27 ألف رحلة مجدولة في أنحاء المنطقة، ما ترك المسافرين والبضائع عالقين، رغم بدء بعض شركات الطيران، من بينها "طيران الإمارات"، استئناف عملياتها، وقد أدى انهيار حركة الطيران خلال جائحة كوفيد-19 إلى تقليص السعة المتاحة، ما أدى إلى قفزات كبيرة في أسعار الشحن الجوي.
ارتفاع أسعار الطاقة
برزت أسعار الطاقة بوصفها الأكثر تأثرا بتداعيات الصراع الإيراني، إذ يمر 20% من الإمدادات العالمية للنفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، كما طالت ضربات بمسيرات وصواريخ منشآت إنتاج في أنحاء المنطقة.
في ظل هذا المشهد، يسعى مصدرو الطاقة إلى إيجاد مسارات بديلة لتصدير الخام والغاز بعيداً عن الخليج، بينما أوقف عدد منهم تشغيل مصافي التكرير مع امتلاء مرافق التخزين.
سجل خام برنت 90 دولارا للبرميل للمرة الأولى منذ عامين في 6 مارس، فيما تجاوزت أسعار الغاز الطبيعي المسال أعلى مستوياتها في 3 أعوام خلال الأسبوع، وإذا طال أمد الصراع، وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد أعلن يوم الجمعة أنه لن يقبل بأقل من "استسلام غير مشروط"، حيث يتوقع عدد من المحللين أن تتجاوز الأسعار حاجز 100 دولار.
أثارت المخاوف من انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد العالمي اضطرابات الأسواق، كما دفعت أسعار الوقود في أمريكا إلى الصعود، ما دفع الإدارة للبحث عن سبل للتعامل مع التداعيات الداخلية.
ستترجم أسعار الطاقة المرتفعة إلى أعباء أكبر على المستهلكين والقطاعات الصناعية، لا سيما الزراعة. فقرابة ثُلث تجارة الأسمدة العالمية يعبر مضيق هرمز، فيما يشكل الغاز الطبيعي مكونا رئيسيا في تصنيع المدخلات التي يعتمد عليها المزارعون في مختلف أنحاء العالم.
في هذا السياق، خفض منتجو الأسمدة حول العالم طاقاتهم الإنتاجية، فيما ارتفعت الأسعار بالفعل. وسارع المزارعون إلى تأمين احتياجاتهم قبل انطلاق مواسم الزراعة الرئيسية، قد يخلف استمرار الصراع تداعيات وخيمة إذا دفع المنتجين إلى تقليص استخدام الأسمدة، الأمر الذي يهدد بتراجع إنتاج المحاصيل.
سيكون هذا الأثر أشد وطأة في الدول الأقل ثراء، إذ قد يتحول النقص في الإمدادات إلى أزمات إنسانية، بحسب تيم بنتون الأستاذ بجامعة ليدز في بريطانيا وخبير الأمن الغذائي، حيث أوضح أنه إذا دفع شح الإمدادات المزارعين إلى تجنب استخدام الأسمدة قبل انطلاق موسم الزراعة المقبل قائلا "فقد نجد أنفسنا بعد ستة أشهر أمام تراجع ملحوظ في إنتاج المحاصيل خلال موسم الزراعة الجنوبي العام المقبل".
تداعيات الحرب عميقة
أفاد محللون لـ"بلومبرغ" بأن تداعيات الحرب ستبقى عميقة وممتدة أيا كانت مدتها، مع عواقب يصعب التنبؤ بها، فارتفاع تكاليف الطاقة في آسيا، الوجهة الأساسية لصادرات الطاقة الخليجية، قد ينعكس لاحقا على أسعار السلع الاستهلاكية في أوروبا، في حين يمكن أن تؤدي تأخيرات الشحن إلى زيادة كلفة التخزين أو تعطيل عمليات التصنيع.
أضافت شيفلينج "قد لا تتأثر شركتك بشكل مباشر، لكن المورد الذي يقوم بتزويد موردك قد يتأثر، فالاضطرابات ستنتقل عالميا لأن سلاسل التوريد عالمية بطبيعتها".