مراد سليمي.. عدسة كوردية توثق مأساة "الهجرة المليونية"
أربيل (كوردستان24)- للفن وجوه متعددة، لكن بالنسبة لل مراد سليمي، الفن ليس مجرد مهنة، بل هو "أسلوب حياة" يتغلغل في تفاصيل اليوم، ويمزج بين جدران المنزل وزوايا المعارض. من مدينة "سنة" (سنندج) في كوردستان إيران، انطلقت رحلة سليمي لتمزج بين توثيق الجمال المعماري وتخليد أكثر اللحظات مأساوية في التاريخ الكوردي المعاصر.
يؤمن سليمي بأن "الشخص الذي يمتهن الفن، يسكن الإبداع في أدق تفاصيل حياته؛ فلا يمكن فصل المعرض عن المنزل عن الفرد". هذا الارتباط الوثيق دفعه لاستكشاف سحر مدينة "سنة" وقراها، ملاحقاً الطبيعة، والأزياء، والطقوس التي تميز الإنسان الكوردي.
يقول سليمي لـ كوردستان 24: "لطالما كانت الأماكن البعيدة والقديمة وغير المكتشفة هي شغفي الدائم. ورغم جولاتنا في جبال كوردستان ومدنها، يبقى جبل (آوير - أبيدار) هو الأحب إلى قلبي؛ فهو وجهة الطفولة، وملاذ السعادة والترفيه".
بدأت مسيرة سليمي الأكاديمية من حي "چوارباغ" العريق في مدينة "سنة"، وصولاً إلى جامعة طهران حيث قضى أربع سنوات في دراسة فن التصوير الفوتوغرافي. لكن التجربة الأعمق لم تكن في قاعات الدراسة، بل في قلب المأساة عام 1991.
"الذكريات التي تمنحنا إياها الكاميرا لا تمحى أبداً"، يضيف سليمي وهو يستذكر أحداث "الهجرة المليونية"، حين فرّ مئات الآلاف من كوردستان العراق هرباً من بطش نظام صدام حسين نحو الحدود الإيرانية. لم يكن سليمي مجرد شاهد، بل كان "العين" التي وثقت خروج الأفواج البشرية في لقطات فوتوغرافية خالدة، حفرت في ذاكرة العالم.
يروي سليمي بمرارة إحدى أصعب اللحظات التي وثقتها عدسته على الحدود: "وصلت شاحنة مساعدات تحمل الخبز، كان الزحام هائلاً لدرجة أن رغيفاً واحداً كان يُنتزع من بين أيادٍ كثيرة. في النهاية، كانت عائلات مكونة من ستة أفراد تعود بكسرة خبز صغيرة لا تسمن ولا تغني من جوع".
ويستذكر بأسى مشاهد الأطفال الذين كانوا ينتظرون بصبر وأمل الحصول على قطعة خبز، ليعودوا في النهاية بأيدٍ فارغة وخيبة أمل تملأ وجوههم الشاحبة.
بعيداً عن وجع النزوح، تبرز مهارة سليمي في "التصوير المعماري"، حيث يعتبر عمارة "خسرو آباد" في سنندج واحدة من أروع التحف التي وثقها. يصفها قائلاً: "المبنى واسع وجميل لدرجة تجعل الزائر يرفض المغادرة؛ فأسلوب العمارة القديمة في (سنة) مبهج للنفس".
ويوضح سليمي أن التصوير المعماري يتطلب حساسية مفرطة تجاه الضوء: "يجب أن يضيء الضوءُ المبنى بطريقة تمنح المشاهد تفاصيل دقيقة، وكأن الكاميرا تعيد قراءة الحجر والزوايا برؤية فنية جديدة".
اليوم، ينقل سليمي خبراته إلى طلاب الفن، معتبراً أن العودة إلى مختبرات التحميض وطباعة الصور تعيد إليه "سعادة اليوم الأول".
ويختتم سليمي حديثه بالتأكيد على دور الصورة في حفظ الهوية: "رغم قسوة الهجرة المليونية، إلا أن الصور جعلتها حدثاً خالداً في التاريخ. اليوم، يأتي الناس ليشاهدوا أنفسهم أو آباءهم في تلك الصور. من الضروري أن ترى الأجيال القادمة حجم المعاناة والمشقة التي تكبدها هذا الشعب، ليدركوا قيمة الأرض والحرية التي وصلوا إليها اليوم".



