جيل بلا تعليم وشعب تحت خط الفقر.. فاتورة قاسية لثلاث سنوات من الحرب في السودان

تقرير خاص نقلاً عن مصدر صحفي سوداني - فضل عدم الكشف عن اسمه

أربيل (كوردستان24)- مع دخول النزاع الدامي في السودان عامه الرابع، لم تعد الأرقام وحدها كفيلة بوصف حجم المأساة. فخلف كل رقم قصة وطن يتفتت، ومؤسسات تنهار، وإنسان يواجه الموت بأشكال متعددة؛ إما بالرصاص، أو بالجوع، أو بالمرض. وبحسب مصدر صحفي سوداني مطلع لـ كوردستان24، فضل عدم الكشف عن اسمه، فإن ملامح الكارثة تجاوزت كل التوقعات، واكتست بصبغة "الانهيار الشامل".

جرائم العنف الجنسي: الفاشر والجنينة والجزيرة في عين العاصفة

تتحدث التقارير الميدانية عن فاتورة باهظة تدفعها النساء السودانيات. وأكد المصدر الصحفي أن مناطق الفاشر، والجنينة، وولاية الجزيرة شهدت أفظع عمليات العنف الجنسي والاغتصاب، والتي نُسبت بشكل واسع لقوات الدعم السريع. هذه الممارسات لم تكن مجرد حوادث معزولة، بل استُخدمت كأداة ضغط وترهيب وسط تعتيم إعلامي وصعوبة في توثيق الحالات بسبب القيود الأمنية والوصمة الاجتماعية.

القطاع الصحي: موت سريري في كردفان ودارفور

يصف المصدر الوضع الصحي بأنه "انعدم تماماً" في أقاليم واسعة، لاسيما في كردفان ودارفور. فالمستشفيات ليست فقط خارج الخدمة، بل تحولت إلى أطلال، مع انعدام تام للأدوية المنقذة للحياة (مثل أدوية الكلى، السكري، والقلب). وتواجه المنظمات الإنسانية والطبية معضلة حقيقية في إيصال المساعدات بسبب غياب المسارات الآمنة والتعنت الأمني، مما حرم الآلاف من حقهم الأساسي في العلاج.

التعليم: ضياع "الشهادة السودانية" ومستقبل جيل كامل

لم يتوقف الأمر عند إغلاق المدارس، بل وصل إلى حرمان الآلاف من الطلاب من الجلوس لـ امتحانات الشهادة،  وهو ما يهدد بقطع التسلسل التعليمي لجيل كامل. المدارس في المناطق الآمنة تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين، بينما دمرت الحرب البنية التحتية التعليمية في المناطق الساخنة، مما جعل الحديث عن "العودة للمدارس" ضرباً من الخيال في ظل الظروف الراهنة.

اقتصاد مشلول: عطالة تجتاح "المدن الآمنة"

رغم عودة بعض السكان إلى أطراف العاصمة الخرطوم وبعض المدن التي تُوصف بالآمنة، إلا أن "وحش البطالة" كان في انتظارهم. يشير المصدر إلى أن نصف سكان السودان الآن بلا عمل تماماً. الأسواق مشلولة، والقدرة الشرائية انعدمت، وحتى الذين عادوا لمناطقهم لم يجدوا سبل كسب عيشهم القديمة، مما جعل الاعتماد الكلي على المساعدات الشحيحة أو التكافل الاجتماعي المنهك أصلاً.

خناق أمني وصعوبات لوجستية للمنظمات

في ظل هذا القتامة، تحاول المنظمات الدولية والمحلية إيجاد ثغرات للعمل، إلا أن "التشديد الأمني" من قبل طرفي الصراع (الجيش وقوات الدعم السريع) يضع حواجز لا يمكن تجاوزها. فكل طرف يفرض رقابة صارمة على تحركات الأفراد والبضائع والمساعدات، مما جعل العمل الإنساني "مخاطرة" غير مضمونة النتائج.

السودان اليوم، وهو يطوي العام الثالث من الحرب، يبدو كمن يمشي في نفق مظلم لا نهاية له. وبينما تنشغل القوى الدولية بملفات أخرى، يبقى المواطن السوداني عالقاً بين كماشة الجوع، وفقدان الدخل، وانهيار الخدمات، في انتظار معجزة تعيد للبلاد شيئاً من ملامحها التي سحقتها آلة الحرب.