كركوك.. عقدان من التحولات السياسية: قراءة في مسيرة الانتخابات وإدارة السلطة منذ 2003
أربيل (كوردستان24)- تعد محافظة كركوك واحدة من أكثر المناطق العراقية تعقيداً من الناحية السياسية والإدارية، حيث لم تشهد المحافظة منذ سقوط النظام السابق في عام 2003 سوى دورتين انتخابيتين لمجلس المحافظة، فصلت بينهما فجوة زمنية امتدت لـ 18 عاماً، شهدت خلالها المدينة تبدلات كبرى في موازين القوى وإدارة منصب المحافظ.
المحطة الأولى: اكتساح "قائمة التآخي" (2005)
في 30 كانون الثاني/يناير 2005، تزامناً مع أول انتخابات برلمانية في العراق، أجريت أول انتخابات لمجلس محافظة كركوك تحت مسمى "انتخابات الجمعية الوطنية". في تلك الدورة، برزت "قائمة التآخي" (لیستی برایەتی) التي ضمت تحالفاً عريضاً من الأحزاب الكوردية إلى جانب ممثلين عن المكونات العربية والتركمانية والمسيحية.
حققت القائمة فوزاً ساحقاً بحصولها على 26 مقعداً من أصل 41، وهو ما منح المكون الكوردي اليد العليا في إدارة المحافظة لسنوات طويلة.
المحطة الثانية: العودة لصناديق الاقتراع بعد 18 عاماً (2023)
بعد سنوات من التأجيل والجدل السياسي والقانوني، عادت كركوك لتدلي بصوتها في 18 كانون الأول/ديسمبر 2023. لكن خارطة النتائج اختلفت هذه المرة؛ حيث انقسمت الأصوات الكوردية، وحصل الاتحاد الوطني الكوردستاني على 5 مقاعد، فيما نال الحزب الديمقراطي الكوردستاني مقعدين، وسط صعود لافت لممثلي المكونات الأخرى.
كرسي المحافظ: من التوافق إلى "الوكالة" ثم "اتفاق بغداد"
شهد منصب محافظ كركوك منذ عام 2003 تقلبات دراماتيكية، تعكس طبيعة الصراع على السلطة في المدينة:
عبد الرحمن مصطفى (2003 - 2011): تم تنصيبه كأول محافظ بعد عام 2003، ثم نال ثقة مجلس المحافظة المنتخب في 2005 بأغلبية الأصوات، واستمر في منصبه حتى عام 2011، ممثلاً لمرحلة الاستقرار النسبي والتوافق الكوردي.
د. نجم الدين كريم (2011 - 2017): تسلم المنصب بناءً على اتفاق بين القوى الكوردية، وانتخب بـ 28 صوتاً من أصل 41. استمر في قيادة المحافظة حتى أحداث 16 أكتوبر 2017، التي شكلت انعطافة تاريخية في إدارة المدينة.
راكان الجبوري (2017 - 2024): عقب أحداث أكتوبر، أصدر رئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي قراراً بتكليف راكان الجبوري (الذي كان يشغل منصب نائب المحافظ للشؤون الفنية) بإدارة المحافظة "بالوكالة"، واستمر في المنصب لمدة 7 سنوات.
ريبوار طه (2024 - حالياً): بعد مخاض سياسي عسير عقب انتخابات 2023، شهد "فندق الرشيد" في بغداد ولادة اتفاق سياسي جديد جمع الاتحاد الوطني الكوردستاني مع أطراف عربية وحركة بابليون المسيحية. وبموجب هذا الاتفاق، انتخب ريبوار طه محافظاً لكركوك بحصوله على 9 أصوات من أصل 16 (5 من الاتحاد الوطني، 3 من العرب، و1 من الكريستيان).
خلاصة المحطات الانتخابية والإدارية في كركوك:
الانتخابات:
الأولى (2005): فوز قائمة التآخي بـ 26 مقعداً.
الثانية (2023): 5 مقاعد للاتحاد الوطني، مقعدان للديمقراطي الكوردستاني.
المحافظون:
عبد الرحمن مصطفى: (2003-2011) - انتخاب بالأغلبية.
نجم الدين كريم: (2011-2017) - انتخاب بـ 28 صوتاً.
راكان الجبوري: (2017-2024) - تكليف حكومي (بالوكالة).
ريبوار طه: (2024-2026) - انتخاب بـ 9 أصوات (بموجب اتفاق سياسي).
تظل كركوك نموذجاً للمدينة التي تُدار بالتوازنات الحساسة، حيث تثبت الوقائع أن الوصول إلى كرسي السلطة فيها يمر دائماً عبر بوابة التوافقات القومية والسياسية، سواء داخل أسوار المدينة أو في أروقة صنع القرار.