تقرير أممي يكشف بالأرقام: نحو مليون بالعراق.. تعثر في العودة الطوعية وظاهرة "النزوح العكسي" تتصاعد
أربيل (كوردستان24)- كشف أحدث تقرير فصلي لمنظمة الهجرة الدولية (IOM) التابعة للأمم المتحدة، والصادر في شهر آذار/مارس 2026، عن استمرار تعقيدات المشهد الإنساني للنازحين داخلياً في العراق. ففي الوقت الذي يسعى فيه الآلاف للعودة إلى مناطقهم الأصلية، تبرز عقبات أمنية واقتصادية حادة لا تعرقل هذه المساعي فحسب، بل وتدفع بعض العائلات للعودة مجدداً إلى قسوة الخيام في ظاهرة تُعرف بـ "النزوح العكسي".
خارطة النزوح: أرقام مستمرة
بحسب قاعدة بيانات المنظمة الدولية، لا يزال العراق يضم نحو مليون نازح داخلي (تحديداً 997,334 شخصاً). من بين هؤلاء، يعيش 101,231 نازحاً داخل 183 مخيماً، تتركز غالبيتها الساحقة في إقليم كوردستان.
وتستضيف محافظة دهوك وإدارة زاخو المستقلة الثقل الأكبر من هؤلاء، بواقع 13 مخيماً تضم 19,304 عائلات (92,413 فرداً). في المقابل، تحتضن محافظة أربيل مخيمين يضمان 1,057 عائلة، بينما تقيم 720 عائلة في ثلاثة مخيمات تقع شرق مدينة الموصل.
مغادرة المخيمات.. رغبات تصطدم بالواقع
ورغم تسجيل 3,617 عائلة أسماءها لمغادرة المخيمات، إلا أن حركة العودة الفعلية تبدو بطيئة جداً. فمنذ مطلع عام 2026 وحتى إعداد التقرير، لم تغادر سوى 156 عائلة فقط (نحو 725 فرداً) من مخيمات دهوك، أربيل، وشرق الموصل، عائدين إلى مناطقهم الأصلية، وتحديداً في أقضية سنجار والبعاج ومدينة الموصل بمحافظة نينوى، فضلاً عن مناطق في صلاح الدين.
ويعود هذا البطء، جزئياً، إلى تعليق الإجراءات الحكومية واسعة النطاق الخاصة بتسجيل ومغادرة النازحين منذ تموز/يوليو 2024. ونتيجة لذلك، بات "برنامج العودة الطوعية الميسرة" التابع لمنظمة الهجرة الدولية (والذي استؤنف أواخر 2025) هو القناة الرسمية الوحيدة لتسهيل مغادرة المخيمات، إلى جانب "المغادرات الذاتية" التي ينظمها النازحون بأنفسهم وعلى نفقتهم الخاصة بعد استحصال الموافقات الأمنية المحلية.
النزوح العكسي: الخيام كملاذ أخير
وفي مفارقة تعكس حجم المعاناة، أشار التقرير الأممي إلى تسجيل حالات "نزوح عكسي". فمنذ بداية العام الحالي، اضطر 234 فرداً للعودة واللجوء مجدداً إلى 15 مخيماً في محافظة دهوك.
وتعزو المنظمة هذا التوجه إلى الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية الخانقة التي واجهت هذه العائلات في مناطقها الأصلية أو في مساكنها المستأجرة داخل المدن. وفي حين تسمح حكومة إقليم كوردستان بقبول عودة هؤلاء إلى المخيمات لدواعٍ إنسانية، تواصل الحكومة الاتحادية في بغداد سياسة عدم الاعتراف بقبول نازحين جدد أو عائدين للمخيمات.
عقبات الاندماج ومعضلة السكن
واستند التقرير إلى بيانات مراقبة شملت 3,310 أسر بين عامي 2023 وشباط/فبراير 2026، أغلبيتهم عادوا إلى نينوى (55% إلى سنجار، 19% إلى الموصل، و15% إلى البعاج).
وأظهرت البيانات أن الأسر العائدة أو المندمجة محلياً تصطدم بواقع مرير يتمثل في تدمير المنازل، ندرة فرص العمل، وضعف الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والمياه.
ويُعد السكن التحدي الأبرز، حيث أظهرت الإحصاءات أن 68% من العائلات التي غادرت المخيمات لا تزال بعد تسعة أشهر تعيش في مساكن مستأجرة أو مستضافة لدى أقاربها، لعدم قدرتها على إعادة إعمار منازلها المدمرة.
اقتصادياً، تعاني العائلات من انعدام الدخل الثابت، إذ أفادت 38% فقط من الأسر بوجود دخل منتظم، مما يعني أن أكثر من نصف العائدين يعيشون على مصادر دخل هشة وغير مستقرة.
واقع المخيمات.. تراجع الدعم وخطر الحرائق
على صعيد الظروف داخل المخيمات، أكدت منظمة الهجرة الدولية أن الوضع لا يزال يراوح مكانه دون تحسن يُذكر. فالخدمات الأساسية تقع في الغالب على عاتق الجهات الحكومية، وسط تراجع ملحوظ في دعم وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية التي يقتصر دورها على تدخلات محدودة وتبرعات متفرقة.
ويزيد من قتامة المشهد المخاطرُ الأمنية المتمثلة في الحرائق. فمنذ مطلع 2026، شهدت مخيمات دهوك اندلاع 11 حريقاً ألحقت أضراراً بـ 28 مأوى وشردت 19 عائلة مجدداً، ما يسلط الضوء على الهشاشة المستمرة لحياة الآلاف من الذين لا يزالون يقطنون الخيام في انتظار حلول جذرية تنهي أطول أزمة نزوح في تاريخ العراق الحديث.