بين نيران الحرب ومرارة الفقر: عمال الخليج الأجانب يدفعون ثمن الصراع الأمريكي الإيراني

عبداللە المامون، یواسي زوجتە في وفاة ابنهما محمد
عبداللە المامون، یواسي زوجتە في وفاة ابنهما محمد

أربيل (كوردستان24)- تحت وطأة تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يجد ملايين العمال الأجانب في دول الخليج أنفسهم في مواجهة معضلة وجودية؛ حيث لم تعد المخاطر تقتصر على ظروف العمل القاسية أو تقلبات الأجور، بل امتدت لتشمل تهديداً مباشراً لحياتهم جراء الصواريخ والطائرات المسيرة التي باتت تجوب سماء المنطقة.

تلاشي أحلام العودة

لم يكن محمد عبد الله المأمون، العامل البنغلاديشي الذي قضى خمسة عشر عاماً في السعودية، يتخيل أن رحلته ستنتهي بصاروخ أصيب به في ثامن من آذار/ مارس الماضي. المأمون، الذي كان يمني النفس بالعودة إلى وطنه بمدخراته لبناء منزل وقضاء وقت مع طفله، فارق الحياة متأثراً بجروحه، لينضم إلى قائمة تضم أكثر من 24 عاملاً أجنبياً قُتلوا في أنحاء الشرق الأوسط منذ اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة في فبراير الماضي.

تسلط قصة المأمون الضوء على واقع ملايين المهاجرين الذين بنوا النهضة العمرانية والاقتصادية في دول الخليج. وبينما يتمتع الموظفون الغربيون بامتيازات وحماية أوسع، يواجه العمال القادمون من آسيا وأفريقيا خطر الموت في مواقع البناء ومنشآت النفط التي تفتقر غالباً للملاجئ المحصنة. وبحسب تقارير ائتلاف "العدالة العمالية للمهاجرين"، فإن العديد من هؤلاء العمال تقطعت بهم السبل نتيجة النزاع، فيما فقد ثمانية بحارة حياتهم في هجمات استهدفت السفن في الممرات المائية.

الاقتصاد الهش والتحويلات المهددة

لا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب الأمني، بل تمتد لتضرب شريان الحياة الاقتصادي لعدة دول آسيوية. فإغلاق مضيق هرمز من قبل إيران وتوقف صادرات النفط والغاز أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية والأسمدة، مما زاد من معاناة الدول المصدرة للعمالة.

وتشكل التحويلات المالية القادمة من الخليج ركيزة أساسية لاقتصادات دول مثل الهند (1% من الناتج المحلي)، وبنغلاديش وباكستان وسريلانكا (بين 3% و5%)، وتصل إلى 10% في نيبال. وفي ظل تراجع المداخيل المحلية، تزداد أهمية هذه الأموال لتأمين الغذاء والوقود، مما يضع العمال أمام خيارين أحلاهما مر: البقاء تحت رحمة الصواريخ لضمان استمرار الدخل، أو العودة إلى بلدان غارقة في التضخم والفقر.

قطاعات مشلولة وحقوق ضائعة

في قطر، يروي عمال قصصاً عن نوبات عمل تمتد لـ 12 ساعة تحت أصوات صفارات الإنذار. أحمد العليلي، سائق سيارة أجرة مصري، يوضح كيف انخفض دخله من 3000 دولار إلى أقل من ألف دولار بسبب تعطل حركة السفر والسياحة. يقول العليلي بأسى: "نحن ضحايا هذه الحرب".

ويحذر خبراء من أن الركود في قطاعي العقارات والإنشاءات، نتيجة توقف الاستثمارات وإصلاح منشآت الطاقة المتضررة، سيؤدي حتماً إلى فصل تعسفي للعمال أو حجب أجورهم. ورغم الإصلاحات القانونية التي شهدتها بعض دول المنطقة، إلا أن نظام ربط العمال بأصحاب العمل لا يزال يحد من قدرتهم على المغادرة أو تغيير وظائفهم في أوقات الأزمات.

البقاء رغم الرعب

بالنسبة للكثيرين، تظل العودة إلى الوطن خياراً مستحيلاً من الناحية الاقتصادية. مارلين فلوريس، عاملة فلبينية في قطر، تعبر عن هذا التناقض بقولها إنها تشعر بالرعب عند اعتراض الصواريخ، لكن الراتب المعفى من الضرائب والتأمين الصحي يجعلها تفضل البقاء على العودة إلى مانيلا التي تعاني أزمة طاقة خانقة.

وفي إسرائيل أيضاً، يتكرر المشهد؛ حيث يواصل جيريميا سوبان، وهو ممرض فلبيني، عمله وسط الإنذارات اليومية، متسائلاً بمرارة: "أعلم أن الموت قد يباغتنا، لكن إلى أي حياة سنعود إذا غادرنا؟".

إنها حرب يخوضها الكبار، لكن شظاياها تصيب الفئات الأكثر هشاشة، ليبقى العامل المهاجر عالقاً في منطقة رمادية بين خطر الانفجارات وشبح الجوع الذي ينتظره في وطنه. وتظل آمال هؤلاء العمال معلقة بوقف إطلاق نار دائم يعيد الأمان إلى سماء المنطقة والاستقرار إلى لقمة عيشهم.

المصدر: AP