غياب الزوار: نيران الحرب الإقليمية تُصيب السياحة الدينية في العراق بالشلل

أربيل (كوردستان24)- في مدينة النجف الأشرف، يقف مرقد الإمام علي المهيب صامتاً؛ فلم تعد ساحاته الشاسعة تضجّ بتلك الهمسات والصلوات متعددة اللغات التي كانت تملأ الأرجاء قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط. ويُلقي غياب السياح بظلال ثقيلة على أصحاب المحال والفنادق المجاورة، حيث تمضي أيامهم ثقيلة ورتيبة، بانتظار عودة الحشود التي كانت تُنعش شريان حياتهم الاقتصادي.

يقول عبد الرحيم هرموش، صاحب محل مجوهرات: "كان الزوار الإيرانيون المحرك الدائم لأعمالنا، سواء كنا صائغين أو تجار أقمشة أو سائقي سيارات أجرة. أما الآن، فقد اختفوا تماماً".

ويضيف الرجل السبعيني (71 عاماً): "كان من الصعب دخول السوق سابقاً بسبب كثرة الزوار الأجانب... حتى الباعة المتجولون كانوا يجدون رزقهم وسط تلك الحشود الغفيرة". ويتوافد ملايين المسلمين الشيعة سنوياً من مختلف أنحاء العالم إلى النجف وكربلاء.

إلا أن الحرب الإقليمية التي اندلعت أواخر شباط/فبراير الماضي، جراء الضربات المتبادلة، أوقفت التدفق المعتاد للزوار القادمين من الجمهورية الإسلامية ولبنان ودول الخليج والهند وأفغانستان.

وقد وجد العراق نفسه في قلب هذا الصراع منذ بدايته، حيث طالت الضربات مصالح أمريكية وجماعات مسلحة داخل البلاد. ويقول هرموش، الذي يعمل منذ 38 عاماً في السوق القديم المحاذي للمرقد ذي القبة الذهبية: "يعتمد اقتصاد المدن المقدسة كلياً على السياحة الدينية".

ويُعدّ المرقد مثوى الإمام علي بن أبي طالب، صهر النبي محمد، ورابع الخلفاء الراشدين، وأول أئمة الشيعة. وحذّر هرموش من "كارثة اقتصادية" إذا استمرت الأزمة؛ فأصحاب المحال باتوا عاجزين عن دفع الإيجارات والضرائب، وسائقو الأجرة بلا ركاب، والعمال يكافحون لتأمين قوت يومهم.

إغلاق الفنادق

اضطر أبو علي (52 عاماً)، وهو صاحب فندق، إلى تسريح خمسة من موظفيه، مبقياً على موظف واحد فقط لرعاية نحو 70 غرفة فارغة. ويتساءل بحسرة: "كيف لي أن أدفع الرواتب في ظل انعدام العمل؟".

وصرح صائب أبو غنيم، رئيس جمعية الفنادق في النجف، لوكالة فرانس برس، بأن 80% من فنادق المدينة البالغ عددها 250 فندقاً قد أغلقت أبوابها بالفعل، مما أدى إلى تسريح أكثر من 2000 موظف أو منحهم إجازات غير مدفوعة الأجر. وأشار إلى أن السياحة في النجف تعتمد بشكل أساسي على الإيرانيين، يليهم اللبنانيون — الذين حاصرتهم الحرب أيضاً — ثم جنسيات أخرى.

ويعد هذا القطاع، الذي عانى سابقاً من تبعات الجائحة، نافذة نادرة للسياحة في بلد مزقته العقود من الصراعات، كما يمثل مصدراً حيوياً للدخل في الاقتصاد العراقي الساعي لتقليل الاعتماد على النفط.

قبل الحرب، كان مصطفى الحبوبي (28 عاماً) لا يكاد يجد وقتاً للراحة بسبب طوابير الزوار الراغبين في صرف العملات الأجنبية. أما الآن، فيقضي جلّ وقته في تصفح هاتفه أو تبادل الأحاديث مع جيرانه من التجار. يقول: "بالكاد نستقبل زبوناً أو اثنين في اليوم. لا يوجد زوار، لا إيرانيون ولا غيرهم".

وحتى بعد دخول وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ في 8 أبريل/نيسان وإعادة فتح المجال الجوي، لم يطرأ تحسن ملحوظ؛ فالحركة تقتصر على بعض الزوار المحليين خلال عطلات نهاية الأسبوع.

"كارثة" في كربلاء

لا يختلف المشهد قتامةً في كربلاء، التي تبعد نحو 80 كيلومتراً شمال النجف، وتضم مرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس. فالممر الرئيسي الرابط بين المرقدين والأزقة المحيطة التي كانت تعج بالحياة، باتت اليوم شبه خالية إلا من الزوار العراقيين.

تصف إسراء النصراوي، رئيسة لجنة السياحة في كربلاء، الوضع بأنه "كارثة حقيقية"، محذرة من أن الحرب ألحقت دماراً هائلاً باقتصاد المدينة، حيث انخفضت أعداد السياح بنسبة 95%، مما أجبر مئات الفنادق على الإغلاق التام.

أما شركات السياحة الدينية، فقد توقفت محركاتها عن الدوران. يقول أكرم راضي، الذي يعمل في هذا القطاع منذ 16 عاماً، إن شركته كانت تستقبل قرابة 1000 زائر شهرياً، لكنها اليوم تعمل بنسبة 10% فقط من طاقتها. ويختم قائلاً: "قد أجد نفسي مضطراً لإغلاق الشركة والبحث عن مهنة أخرى".

المصدر: فرانس برس