بالتفاصيل.. محامي ضحايا الأنفال يكشف لـ كوردستان24 أسرار الإطاحة بجلاد النظام السابق
اربيل (كوردستان24) - في خطوة طال انتظارها لتحقيق العدالة لضحايا جرائم الإبادة الجماعية (الأنفال)، تقف مدينة بغداد على موعد مع محاكمة أحد أبرز جلادي النظام السابق، المدعو "عجاج أحمد حردان"، الذي أذاق المعتقلين الكورد أبشع أنواع العذاب في سجن "نقرة سلمان" سيئ الصيت.
عجاج، الذي اعتُقل مؤخراً بعد عملية استخباراتية دقيقة، يواجه اليوم أكثر من 223 شكوى من ناجين وذوي ضحايا، بعد أن أدلى باعترافات مروعة حول سياسات التجويع والتعذيب الممنهج التي مارسها بحق الشيوخ والنساء والأطفال.
في هذه الحلقة الخاصة من كوردستان 24، التي تقدمها الاعلامية ژینو محمد، نفتح ملف هذه المحاكمة التاريخية، ونناقش التحديات المستمرة مع بغداد التي لا تزال تماطل في دفع التعويضات المقررة قضائياً لضحايا الكورد. ضيوفنا في الاستوديو: إياد كاكه يي (محامي قضية الأنفال)، وزيرفان مجيد (مدير الشؤون القانونية في وزارة شؤون الشهداء والمؤنفلين).
نص الحوار :
كوردستان24: طابت أوقاتكم. قرار بمحاكمة في يوم الخميس من هذا الأسبوع، السابع من أيار، بعد استعداد عدد من المشتكين الذين تعرضوا للضرب والتعذيب في السجون، لمحاكمة "عجاج أحمد حردان" المعروف بـ "جلاد الأنفال" في بغداد. عدد من المشتكين من مختلف مناطق كوردستان استعدوا للمحكمة للشهادة ضد هذا الجلاد.
تم إلقاء القبض على عجاج حردان من قبل المحكمة الجنائية العراقية العليا بعد عملية بحث دامت منذ بداية شهر آب من العام الماضي، وحتى الآن تم تسجيل أكثر من 180 شكوى ضده. جهاز الأمن الوطني العراقي قام في 1/8/2025، بعملية خاصة لملاحقة المتهمين بجرائم النظام العراقي السابق، واستمرت لستة أشهر، تمكنوا خلالها من القبض على هذا المتهم الهارب.
عجاج أحمد حردان معروف بـ "عجاج نقرة سلمان"، وكان ضابطاً في هذا السجن ومارس تعذيباً قاسياً بحق المؤنفلين المتواجدين هناك.
لمناقشة هذا الملف، نستضيف في الاستوديو السيد إياد كاكه يي، محامي قضية الأنفال، والسيد زيرفان مجيد، مدير الشؤون القانونية في وزارة الشهداء والمؤنفلين. أهلاً بكم.
كوردستان24: السید إياد، أبدأ معك. حدثنا عن مجريات المحاكمة المقررة يوم الخميس ضد هذا المتهم، وأين وصلتم في هذا الملف بصفتكم محامين عن المؤنفلين؟
المحامي إياد كاكه يي: بداية، تحية لأرواح الشهداء. بالنسبة للمتهم، اسمه "عجاج" لتصحيح الاسم للمشاهدين. في برنامج حكومة إقليم كوردستان، ومن المهام التي نعمل عليها، خاصة وزارة الشهداء، هي متابعة ملفاتنا في المحكمة الجنائية العراقية العليا منذ عام 2005. بناءً على ذلك، قام مجلس الوزراء في العام الماضي بتوجيهنا لمتابعة كافة الملفات (حلبجة، الأنفال، البارزانيين، الكورد الفيليين، وغيرها).
جهاز الأمن الوطني العراقي، مشكوراً، يعمل بجدية تامة للبحث عن أي مجرم شارك في التعذيب أو الأنفال أو قمع الانتفاضة في جنوب العراق. لدينا مئات المتهمين الهاربين.
في 29/7، أصدر جهاز الأمن الوطني في السماوة قراراً بالقبض على "عجاج" بعد جمع المعلومات الاستخباراتية وتحديد مكانه في قضاء الحويجة. تم القبض عليه خلال شهر، ونُقل إلى السماوة. في 4/8، أدلى عجاج باعترافاته أمام قاضي التحقيق.
"جلاد الأنفال" في قفص الاتهام.. تفاصيل مروعة لاعترافات معذب الكورد في "نقرة سلمان"
كوردستان24: ماذا جاء في اعترافاته؟
المحامي إياد كاكه يي: في الملف الذي قرأناه، اعترف المتهم بجرائمه صراحة. قال: "نعم، لقد مارست سياسة التجويع والتعذيب". والتعذيب هنا لم يكن للشباب أو البيشمركة، بل طال النساء والشيوخ والعجزة والأطفال الذين تم جمعهم في "نقرة سلمان". اعترف بأنه كان يعطيهم "صمونة" واحدة فقط في اليوم، وماءً غير صالح للشرب، مما تسبب بانتشار الأمراض ووفاة الكثيرين. هو يعترف يومياً بكل التفاصيل التي تحدثنا عنها في المحكمة الجنائية عامي 2004 و2006.
كوردستان24: هل صحيح أن هناك أكثر من 180 شكوى مسجلة ضده؟
المحامي إياد كاكه يي: في الحقيقة، المشتكون حالياً ليسوا فقط من كرميان والسليمانية وحلبجة وجمجمال، بل لدينا مشتكون من قضية الأنفال التي جرت في عام 2007 (قضية الإبادة الجماعية) وكل من تحدث عن عجاج تم سحب نسخة من إفادته وضمها للملف كمشتكٍ. العدد الفعلي للمشتكين الذين تم إبلاغهم حتى الآن هو 223 مشتكياً.
كوردستان24: هل يجب حضور جميع الـ 223 مشتكياً في المحكمة يوم الخميس؟
المحامي إياد كاكه يي: المحكمة مفتوحة لأي شخص يريد الحضور وتقديم إفادته، ولكن الجانب المفرح والمطمئن في القضية هو أننا لسنا بحاجة ماسة لإثبات التهمة عليه أو جلب شهود، لأن عجاج اعترف بكل شيء طواعية وأقر بجميع الجرائم والتهم الموجهة إليه. هذا يسهل عمل المحكمة وهيئة الادعاء العام وعملنا كمحامين.
كوردستان24: السيد زيرفان، بصفتكم جهة حكومية ممثلة لوزارة شؤون الشهداء، ما هو دوركم في هذا الملف؟
زيرفان مجيد: بداية، تحية إجلال وإكبار لجميع شهداء كوردستان وضحايا الإبادة الجماعية. نحن في الوزارة، وبناءً على توجيهات السيد رئيس الحكومة، نعتبر هذا من واجباتنا الأساسية. منذ سقوط نظام صدام وتشكيل المحكمة الجنائية، قمنا بتشكيل فريق من المحامين (والأستاذ إياد أحدهم) لتمثيل المشتكين وإعداد الملفات أمام المحكمة.
لحسن الحظ، أخذت القضايا مسارها القانوني وصدرت قرارات بتعريفها كـ "إبادة جماعية" (جينوسايد)، وفي عدة قضايا صدرت أحكام بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. الوزارة مستمرة في متابعة القضايا، ومؤخراً في شهر 12/2023، تمت محاكمة اثنين من ضباط النظام السابق (شاكر الدوري وسعدون القيسي)، وصدر حكم الإعدام بحق شاكر الدوري لتورطه في قتل البارزانيين. نحن مستمرون وهناك تنسيق ممتاز مع الحكومة العراقية والجهات الأمنية للقبض على المطلوبين.
محاكمة "عجاج حردان" تفتح جراح الأنفال وبغداد تتهرب من تعويض الضحايا
كوردستان24: هل هناك تعاون فعلي من قبل بغداد والجهات الأمنية العراقية؟
زيرفان مجيد: نعم، لحسن الحظ الإجراءات تسير مرحلة بمرحلة، وهناك تعاون إذا ما كانت الظروف السياسية والأمنية تسمح بذلك. هناك جهود جدية لمتابعة الشكاوى ضد المتهمين سواء داخل العراق أو خارجه.
كوردستان24: هناك من يقول إن هذا الملف يتم تسييسه بين أربيل وبغداد، هل هذا صحيح؟
زيرفان مجيد: لحسن الحظ، جرائم مثل التي ارتكبها المتهم الأخير "عجاج" هي جرائم كبرى وفظيعة جداً، بحيث لا تستطيع أي حكومة أو حزب أو جهة أن تدافع عنه أو تسيس الموضوع. تعذيب النساء والأطفال في معسكر صحراوي ناءٍ في جنوب العراق، جرائم وحشية لا يجرؤ أحد على تسييسها أو التدخل فيها.
كوردستان24: هل هناك قصص معينة ما زالت عالقة في أذهانكم من إفادات الشهود حول جرائمه؟
زيرفان مجيد: القصص مؤلمة جداً. إحدى القصص تتحدث عن طفل رضيع كان يرضع من أمه، فقام عجاج، الذي كان مشهوراً بحمل "كابل كهربائي" غليظ، بضرب الطفل بهذا الكابل حتى قتله. هناك أيضاً قصص عن المقابر الجماعية التي كانت تُحفر بشكل سطحي، فكانت الكلاب تأتي ليلاً لتنهش جثث الضحايا. هؤلاء الضحايا كانوا يموتون يومياً بالعشرات بسبب الجوع والمرض والعطش في صحراء نقرة سلمان.
كوردستان24: السيد إياد، المشتكون الذين التقيتم بهم، ماذا يتذكرون من جرائمه تحديداً؟
المحامي إياد كاكه يي: في إفادته، عجاج نفسه اعترف وقال: "كنت أجمع أكثر من 3000 شخص من النساء والأطفال والشيوخ في القاعات، وكنت أمارس سياسة التجويع وأقدم لهم ماءً ملوثاً متعمداً لكي يموتوا". وفيما يخص الدفن، يعترف بأنهم كانوا يدفنون الجثث في مناطق صحراوية قريبة بشكل سطحي، ويقول: "كنت أرى الكلاب تأتي لتأكل أجزاء من الجثث أمام أعين ذويهم". هذه جريمة كبرى أن ترى إنساناً عزيزاً عليك تأكله الكلاب ولا تستطيع فعل شيء. المتهم أقر بكل هذه الفظائع.
كوردستان24: هناك تساؤل أستاذ إياد، هل هناك تداخل في الأسماء؟ البعض يقول إن هناك "عجاج" آخر؟
المحامي إياد كاكه يي: نعم، بموجب قانون تشابه الأسماء حدث بعض اللغط، الكثير اعتقد أنه عجاج آخر. هناك ضابط آخر في المخابرات العراقية السابقة يُدعى "عجاج حسن خلف عبدالله الدوري"، وهذا الشخص متهم بقمع الانتفاضة الشعبانية عام 1991 وصدر بحقه حكم إعدام من قبل المحكمة، ولكنه هارب. أما متهمنا اليوم فهو "عجاج أحمد حردان" وهو الذي ارتكب الجرائم في نقرة سلمان.
كوردستان24: السيد زيرفان، نأتي إلى نقطة هامة جداً، وهي مسألة "التعويضات" لضحايا الإبادة. ماذا فعلتم لتعويض ذوي الضحايا؟ ولماذا لم يتحقق ذلك حتى الآن؟
زيرفان مجيد: في نهاية قضايا الأنفال عام 2010 وصدرت القرارات النهائية، قدمت حكومة الإقليم ووزارة الشهداء طلبات تعويض للحكومة العراقية. في جميع المفاوضات واللجان المشتركة بين أربيل وبغداد، هذا الملف كان حاضراً. نحن طالبنا بتعويض الشعب الكوردي استناداً إلى المادة 132، ولكن للأسف، الحكومات العراقية المتعاقبة تتهرب وتتحجج بأعذار مختلفة، رغم أنها التزمت بتعويض المتضررين من مصادرة الأموال والشهداء والسجناء السياسيين في وسط وجنوب العراق، لكن عندما يتعلق الأمر بكوردستان، فإن الحكومة العراقية تتهرب من التنفيذ!
الكورد يطالبون بالقصاص وبغداد ترفض دفع التعويضات المقررة قضائياً!
كوردستان24: السيد إياد، بصفتك محامياً، كيف تقرأ هذا التهرب من قبل بغداد؟
المحامي إياد كاكه يي: أنا ألوم الحكومة العراقية بشدة. القرارات القضائية صدرت وباتة، والدستور العراقي ينص على عدم وجود سلطة أعلى من القضاء. فلماذا تحترم بغداد قرارات المحكمة الجنائية عندما تتعلق بتعويض الضحايا في مدن أخرى، وترفضها عندما يتعلق الأمر بالكورد وعوائل ضحايا الجينوسايد؟
لدينا تقرير من الخبير الأنثروبولوجي العالمي "مايكل ترمبل"، الذي فحص رفات 123 شخصاً (25 امرأة و98 طفلاً) تم إخراجهم من المقابر، وقدر حجم التعويضات المستحقة بـ 7.5 مليون دولار لهؤلاء فقط كنموذج. الحكومة العراقية ترفض الالتزام بالمعايير الدولية لتعويض الكورد، وهذه عنصرية واضحة وتجاهل تام لقرارات القضاء والمواثيق الدولية.
كوردستان24: في الختام، ما هي رسالتكم وخطواتكم القادمة للضغط على بغداد؟
المحامي إياد كاكه يي: رسالتنا هي أننا مستمرون. نحن كفريق محامين نعمل طوعياً وسنعقد مؤتمرات صحفية في بغداد لإيصال صوتنا. لن نتنازل عن حقوق الضحايا، وإذا استمرت الحكومة في رفض التنفيذ، فإنها تثبت أنها لا تحترم القضاء ولا المواثيق الإنسانية.
زيرفان مجيد: ونحن كوزارة مستمرون في مطالباتنا القانونية والسياسية ضمن أي مفاوضات قادمة. لن يضيع حق وراءه مطالب، وسنبقى نطالب بحقوق المؤنفلين وتعويضهم كما ينص الدستور والقانون.
كوردستان24: السيد إياد كاكه يي، محامي قضية الأنفال، والسيد زيرفان مجيد، مدير الشؤون القانونية بوزارة الشهداء والمؤنفلين، شكراً جزيلاً لحضوركم وللتوضيحات. وشكراً لمتابعتكم مشاهدينا.