مواجهة مضيق هرمز: حالة من الاستنزاف المتبادل بين واشنطن وطهران لا يمكن استدامتها
أربيل (كوردستان24)- تؤكد التبادلات الأخيرة للنيران بين إيران والولايات المتحدة حالة عدم الاستقرار الشديدة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط. ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف الضربات التي شُنت في وقت متأخر من يوم الخميس بأنها مجرد "لمسة حب"، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن أياً من الطرفين لا يملك القدرة على الاستمرار في هذه المواجهة عالية المخاطر في مضيق هرمز إلى أجل غير مسمى.
الفشل الاستراتيجي مقابل التفوق العسكري
على الرغم من أن الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل قد أظهرتا تفوقاً عسكرياً شاملاً على إيران – مع تكبد خسائر طفيفة خلال الحرب التي استمرت 38 يوماً – إلا أن واشنطن فشلت في ترجمة هذا التفوق إلى هيمنة استراتيجية. وبدلاً من ذلك، سمحت لإيران بإحكام سيطرتها على المضيق، مما تسبب في ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية.
انهيار "مشروع الحرية"
شهد هذا الأسبوع تطوراً بارزاً تمثل في الانهيار السريع لـ "مشروع الحرية" الذي أطلقه ترامب، حيث توقف المشروع يوم الثلاثاء بعد 50 ساعة فقط من انطلاقه. كان المقترح الأمريكي الأحادي يسعى لإنشاء منطقة آمنة للشحن التجاري على الجانب العماني (الجنوبي) من المضيق، مدعوماً بأكثر من 100 طائرة مقاتلة وعدة مدمرات بحرية، إلا أن سفينتين تجاريتين فقط هما من استفادتا من هذا الممر.
وقد انتهى المشروع وسط اعتراضات شديدة من الجانب السعودي، الذي لم يتم استشارته قبل الإطلاق. ورفضت الرياض السماح للقوات الأمريكية بالوصول إلى أجوائها وقواعدها، مدفوعة بمخاوف من أن يؤدي "مشروع الحرية" إلى إعادة إشعال فتيل حرب شاملة. كما أن المشروع لم يُناقش مع شركات الشحن الكبرى، وظلت فاعليته محل شك كبير.
وفي هذا السياق، صرح ريتشارد ميد، محرّر نشريّة "لويدز ليست" المتخصصة في الشحن البحري، قائلاً: "لم يتم التواصل مع أي من المنظمات الصناعية الكبرى التي نعرفها من قبل الولايات المتحدة لإعداد جلسات إحاطة. الفرق الأمنية في المنطقة لا تزال غير مدركة لما يحدث، ولم يبدِ أي مالك سفينة تحدثتُ إليه خلال الـ 24 ساعة الماضية أي ثقة في أن هذا المشروع قد يغير شيئاً".
شلل الحركة الملاحية في الخليج
لا تزال إيران تحتفظ بالقدرة على تهديد وإلحاق أضرار جسيمة بالناقلات التي تعبر مضيق هرمز، مما أدى فعلياً إلى وقف كافة عمليات الشحن الأخرى. ووفقاً لبيانات "إس آند بي جلوبال ماركت إنتليجنس"، تظل أكثر من 1550 سفينة محاصرة داخل الخليج، بينما لم تعبر أي سفينة تجارية المضيق يومي الأربعاء والخميس.
المرونة الإيرانية والحسابات الخاطئة
تقول بوركو أوزتشيليك، خبيرة الشرق الأوسط في معهد الخدمات المتحدة الملكي (RUSI): "لقد أثبتت إيران أنها خصم هائل، حيث أظهرت مرونة لم يتوقعها الكثيرون ممن كان ينبغي عليهم معرفة ذلك بشكل أفضل. لقد أراد ترامب تحقيق فوز سريع، ولم يكن مستعداً لالتزام عسكري ضخم يتطلبه الإطاحة بالنظام بشكل حقيقي".
وعلى الرغم من أن عملية صنع القرار في طهران تبدو مجزأة، مع بقاء الحالة الصحية للمرشد الأعلى "مجتبى خامنئي" غير مؤكدة علنياً، إلا أن التقييمات تشير إلى أن نظام طهران قد تحصن – في الوقت الحالي – نتيجة حملة القصف التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل. وتشير تقييمات مسربة لوكالة المخابرات المركزية (CIA) هذا الأسبوع إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بـ 70% من صواريخها، و75% من منصات الإطلاق، وربما نصف مخزونها من مسيرات "شاهد" الانتحارية.
الضغوط النووية واستنزاف الذخائر الأمريكية
تبدو طهران واثقة في رفض المطالب الأمريكية بإنهاء كامل لبرنامج الأسلحة النووية، والذي يتضمن تفكيك المواقع النووية، وتجميد التخصيب لمدة 20 عاماً، وتسليم اليورانيوم القريب من درجة نقاء الأسلحة. وتدرك إيران أن ترامب يبدو غير راغب في استئناف حملة قصف شاملة، ربما بسبب استنزاف مخزونات الصواريخ الأمريكية عالية التقنية، والتي انخفضت بنسبة تتراوح بين الربع والنصف خلال حملة "الغضب الملحمي" (Epic Fury) التي كلفت 25 مليار دولار (18 مليار جنيه إسترليني).
الحصار الاقتصادي والوضع الداخلي
بينما يميل المفاوضون الإيرانيون إلى التصرف وكأن لديهم وقتاً غير محدود، إلا أن الواقع يثبت خلاف ذلك. فالحصار الأمريكي الموازي شرق المضيق، حيث تعمل مجموعتان من حاملات الطائرات، يمنع إيران من تصدير نفطها الخام. وقد قامت القيادة المركزية الأمريكية بردع 52 سفينة منذ 13 أبريل، مع ورود تقارير من داخل إيران عن ارتفاع التضخم والبطالة وتأخر الأجور.
ويوم الأربعاء، حاول كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، تعزيز المقاومة الداخلية، مدعياً أن الولايات المتحدة تسعى لـ "تدمير تماسك البلاد" عبر "حصار بحري، وضغوط اقتصادية، وتلاعب إعلامي". وبحسب تقييم استخباراتي أمريكي مسرب لصحيفة "واشنطن بوست"، فإن إيران قد تصمد لمدة تتراوح بين ثلاثة إلى أربعة أشهر قبل أن تواجه ضائقة اقتصادية أكثر شدة.
العزلة الدولية والدعم المحدود
تعاني إيران من غياب الحلفاء المقربين في لحظة عزلتها هذه. ويُعتقد أن الصين تزودها بأجزاء للمسيرات (بشكل مشابه لمساعدتها لروسيا)، مع تقارير عن احتمال إرسال أنظمة دفاع جوي محمولة سراً، لكنها تظل أسلحة دفاعية أساسية. كما كشف عرض تقديمي من الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) مخصص لإيران، اطلعت عليه مجلة "إيكونوميست"، أن موسكو قد ترسل 5000 مسيرة تعمل بالألياف الضوئية، وهي أسلحة قد تكون مفيدة فقط ضد القوات البرية الأمريكية في حال محاولتها السيطرة على جزر في الخليج.
وفي الختام، يظل من غير الواضح كيف يمكن لأي تصعيد عسكري إضافي أن يخدم مصالح إيران، كما يبقى التنبؤ بقدرة البلاد ونظامها على تحمل الحصار الأمريكي المستمر أمراً في غاية الصعوبة.
المصدر: صحیفة غاردیان البریطانیة