ترامب في بكين.. سلاحٌ بلا ذخيرة

أربيل (كوردستان24)- في توقيت بالغ الحساسية، وبينما يتأهب الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتوجه إلى العاصمة الصينية بكين لعقد قمة مرتقبة مع نظيره شي جين بينغ، يجد الرئيس نفسه في مواجهة قيود غير مسبوقة طالت أهم أدواته الاقتصادية والسياسية؛ وهي الرسوم الجمركية، وذلك إثر تصاعد الضغوط القضائية والسياسية في الداخل الأميركي.

تشير المعطيات الحالية إلى تبدل واضح في قدرة واشنطن على فرض إرادتها التجارية. فبينما اهتزت العاصمة البريطانية لندن في يناير الماضي، وعقد الاتحاد الأوروبي اجتماعات طارئة، وخرج الآلاف للتظاهر في الدنمارك عقب تهديد ترامب بفرض رسوم على حلفاء "الناتو" في سياق نزاع حول "غرينلاند"، بدا المشهد مختلفاً تماماً بعد ثلاثة أشهر فقط.

فوفقاً لما أوردته صحيفة "فاينانشال تايمز"، تم تجاهل تصريح الرئيس الأخير بفرض رسوم بنسبة 50% على الدول التي تبيع أسلحة لإيران "دون استثناءات"، وهو ما يعكس تحولاً لا يرتبط فقط بالمزاج الدولي، بل بضربة قضائية قلصت أبرز أدواته.

يعود جوهر هذا التراجع إلى قرار المحكمة العليا الأميركية التي اعتبرت أن رسوم "يوم التحرير" تجاوزت صلاحيات الرئيس، مما قوض قدرة ترامب على استخدام الرسوم كسلاح ضغط سريع ومباشر.

وفي تعليق له لصحيفة "فاينانشال تايمز"، قال مايكل سمارت، المدير الإداري في شركة "روك كريك غلوبال أدفايزرز": "لقد خسر الرئيس أمراً مهماً، وهو القدرة على التهديد بفرض رسوم يوم الجمعة، وتنفيذها يوم الاثنين". وما زاد من وطأة الموقف، قيام محكمة أميركية أخرى الأسبوع الماضي بإبطال رسوم عالمية بنسبة 10% أعلنها ترامب في فبراير لتعويض الرسوم المرفوضة، رغم طعن الحكومة على الحكم.

يحاول ترامب وإدارته حالياً إعادة بناء قدرتهم الجمركية قبل لقاء شي جين بينغ، لكنهم يصطدمون بمعارضة متزايدة داخل الكونغرس، وعدم شعبية الرسوم قبل انتخابات التجديد النصفي الصعبة.

وأشار مايرون بريليانت، من مجموعة "ألبرايت ستونبريدج"، إلى أن دولاً بدأت تتعامل مع واشنطن باحترام أقل، حيث بدأت في "إعادة التفكير والمعايرة" لاتفاقياتها. وأكد مسؤول تجاري آسيوي أن دولاً في جنوب شرق آسيا تعيد النظر في اتفاقات أبرمتها تحت ضغط رسوم "يوم التحرير"، بينما يشكك دبلوماسيون أوروبيون في امتلاك ترامب لهامش سياسي لرفع الرسوم مجدداً في ظل التضخم واقتراب الانتخابات. ومع ذلك، تؤكد مصادر مطلعة أن ترامب أصبح "أكثر تمسكاً بالرسوم من أي وقت مضى"، فيما وصف بريليانت الحالة قائلاً: "تم تقليص أجنحته، لكنه لا يغير مساره".

يعتمد ترامب حالياً على ممثله التجاري، جيميسون غرير، لإعادة فرض رسوم "يوم التحرير" بحلول يوليو. ويبدو الرئيس غير مبالٍ بالقيود الاقتصادية، مثل تسارع التضخم الذي يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ 3.2% هذا العام (مقارنة بـ 2.5% قبل الحرب مع إيران).

وتظل الرسوم في قلب رؤية ترامب الذي أطلق على نفسه لقب "رجل الرسوم الجمركية". وفي عام 2025، بلغت هذه السياسة ذروتها بفرض رسوم باهظة شملت 49% على كمبوديا، و20% على الاتحاد الأوروبي، و10% على جزر مارشال، وصولاً إلى 145% على الصين. ورغم المفاوضات والهدنة التي تم التوصل إليها مع بكين في أكتوبر بعد تصعيد شمل قيوداً صينية على المعادن النادرة، جاء حكم المحكمة العليا في فبراير ليبطل معظم تلك الإجراءات.

قدر الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أن متوسط الرسوم ارتفع العام الماضي من 2.6% إلى 13%، مع تمرير 90% من التكاليف للمستهلك والشركات الأميركية. وبينما يرى اقتصاديون أن الرسوم لن تقضي على العجز التجاري طالما وجد عجز مالي يضغط على الادخار، يصر جيميسون غرير على نجاح السياسة، مؤكداً أمام الكونغرس أن العجز بدأ يتراجع والوظائف والأجور في القطاع الصناعي ارتفعت.

لكن الأرقام تشير إلى أن عجز السلع الأميركية سجل مستوى قياسياً عند 1.2 تريليون دولار في 2025، وبقيت مساهمة التصنيع عند 9% من الناتج المحلي، مقارنة بـ 13% قبل عقدين. كما وفرت الرسوم 130 مليار دولار للحكومة، لكن مصيرها بات غامضاً بعد حكم المحكمة.

ويوضح إدوارد ألدن، من مجلس العلاقات الخارجية، أن ترامب فقد صلاحيات واسعة كانت تمنحه إياها قوانين الطوارئ الاقتصادية لعام 1977، والتي كان "يستمتع باستخدامها كثيراً".

ينص الدستور على سيطرة الكونغرس على الضرائب والرسوم، وبدأ المشرعون الجمهوريون في استعادة هذا الدور. وقال النائب دان نيوهاوس إن قرار المحكمة العليا يمنح الكونغرس نفوذاً أكبر، مؤكداً عدم تأييده للإفراط في الرسوم.

وكذلك، صوّت النائب الجمهوري جيف هيرد ضد الرسوم على كندا، ورغم هجوم ترامب عليه في البداية، إلا أنه عاد وأيد حملته الانتخابية. ويؤكد النائب دون بيكون أن غالبية الجمهوريين يعارضون الرسوم سراً لكنهم يشعرون بضرورة منح الرئيس فرصة.

يأتي التوقيت في غير صالح الإدارة؛ فاستطلاعات الرأي تظهر تقدم الديمقراطيين بنحو 5 نقاط في انتخابات الكونغرس. كما أن الرسوم البديلة (10%) ستنتهي بعد 150 يوماً ما لم يمددها الكونغرس، وهو ما قد يفرض تصويتاً في يوليو تزامناً مع ذروة الموسم الانتخابي.

وتشير استطلاعات "أسوشييتد برس" وجامعة كاليفورنيا إلى أن 30% فقط يوافقون على أداء ترامب الاقتصادي، بينما يعارض أكثر من 60% من الأميركيين الرسوم الجمركية وفقاً لـ CNN.

تحول نظام الرسوم إلى "متاهة بيروقراطية" ترهق الشركات، التي باتت مطالبة باستخدام أكواد معقدة وتتبع دقيق للمنشأ. ورغم أن الإدارة أبدت مرونة في منح استثناءات (دون تسميتها بذلك)، مثلما حدث في رسوم الأدوية التي وصلت اسمياً لـ 100% لكنها فعلياً أقل، إلا أن هذا التعقيد حرم ترامب من "السرعة".

وحالياً، يعتمد ترامب على "المادة 232" لفرض رسوم لأسباب تتعلق بالأمن القومي (مثل السيارات والرقائق)، لكن خارج هذا الإطار، أصبحت العملية بطيئة وتتطلب تحقيقات ومشاورات تستغرق أشهراً.

يخلص بيتر هاريل، المسؤول السابق في البيت الأبيض، إلى أن ترامب قد ينجح في الحفاظ على رسوم بين 5% و15% عبر التزام الإجراءات المنضبطة، لكنه لن يكون قادراً على تغييرها بسرعة أو التهديد بنسب تصل إلى 50%.

وهكذا، يدخل ترامب قمة بكين بسلاح "مقيد"، حيث لم تعد التهديدات الاقتصادية الفورية كما كانت، مما يجعل القمة اختباراً حقيقياً لقدرته على انتزاع المكاسب في ظل تراجع فعالية سلاحه الأبرز.