تقرير استقصائي: كيف كشف "راعٍ عراقي" سراً عسكرياً إسرائيلياً مدفوناً في الصحراء الغربية؟
أربيل (كوردستان 24)- في واقعة تكشف عمق التوترات الإقليمية وغياب السيطرة الكاملة على السيادة الوطنية، تمكن راعٍ عراقي يدعى "عوض الشمري" (29 عاماً) من كشف وجود قواعد عسكرية إسرائيلية سرية تعمل داخل الأراضي العراقية.
الحادثة التي لم يُكشف عنها سابقاً، تثير تساؤلات حادة حول التنسيق العسكري الأمريكي-الإسرائيلي من جهة، وحول الموقف الحكومي العراقي "الصامت" أمام انتهاكات سيادته من جهة أخرى.
شرارة الكشف: رحلة تسوق انتهت بمأساة
في الثالث من مارس الماضي، انطلق عوض الشمري بسيارته "البيك أب" من مضارب قبيلته في الصحراء الغربية باتجاه بلدة "النخيب" لجلب المؤن.
لم يدر في خلد عوض أن طريقه سيعبر فوق "سر عسكري" إسرائيلي بالغ الحساسية.
ووفقاً لروايات شهود عيان، طاردت مروحية سيارة الشمري وأطلقت عليها وابلاً من الرصاص حتى توقفت محترقة.
أفراد عائلته يؤكدون أنه تواصل مع القيادة العسكرية، قبل مقتله ليبلغهم عن وجود جنود، خيام، ومدرج هبوط في منطقة نائية. ومنذ ذلك الاتصال، فُقد أثره، ليجد أهله لاحقاً جثته متفحمة بجانب سيارته المحترقة.
"قواعد سرية" لعمليات ضد إيران
بحسب مسؤولين أمنيين عراقيين، كانت هذه القاعدة واحدة من قاعدتين سريتين تديرهما إسرائيل بشكل متقطع منذ أكثر من عام. واستُخدمت هذه القواعد لتوفير الدعم الجوي، الوقود، والخدمات الطبية للعمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران، لا سيما خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو 2025.
ويشير التقرير إلى أن القواعد كانت تهدف إلى تقصير مسافات الطيران للطائرات الإسرائيلية عند استهداف العمق الإيراني، حيث كانت واشنطن على علم بوجود إحدى هذه القواعد منذ يونيو 2025 على الأقل، مما يرجح أن الولايات المتحدة حجبت عن بغداد حقيقة وجود قوات معادية على أرضها.
"انتهاك صارخ للسيادة"
أثارت هذه الاكتشافات غضباً في الأوساط السياسية العراقية؛ حيث أقر اللواء الركن علي الحمداني، قائد قوات الفرات الأوسط، بأن الجيش العراقي كان يشتبه في وجود إسرائيلي بالصحراء قبل شهر من كشفها من قبل الراعي.
مشيراً إلى أن الجيش طلب معلومات من الجانب الأمريكي لكنه لم يتلقَّ أي رد. وفي المقابل، لا تزال الحكومة العراقية تلتزم الصمت، حيث صرح المتحدث باسم القوات الأمنية، اللواء سعد معن، بأن العراق "لا يملك معلومات حول مواقع أي قواعد عسكرية إسرائيلية".
التحدي الاستراتيجي: بين طهران وواشنطن
يضع وجود القواعد الإسرائيلية العراق في موقف لا يحسد عليه؛ فالعراق الذي يعيش توازناً دقيقاً بين واشنطن وطهران منذ 2003، يواجه الآن مخاطر "التأطير" كحليف لإسرائيل.
ويرى "رمزي مارديني"، مؤسس مركز "جيو-بول لاب"، أن "أي تعامل مع الولايات المتحدة الآن قد يُفسر على أنه تحالف مع إسرائيل، وهو ما قد يعطي الميليشيات الموالية لإيران ذريعة لرفض نزع السلاح، أو قد يفتح الباب لتدخل عسكري إيراني مباشر في العراق".
تؤكد المصادر أن قاعدة "النخيب" لم تعد تعمل حالياً، بينما يظل مصير القاعدة الثانية مجهولاً. وفي الوقت الذي تسعى فيه عائلة الشمري للمطالبة بفتح تحقيق رسمي حول مقتل ابنهم، يبقى السؤال الأبرز في بغداد: هل كان القادة العسكريون يعرفون بوجود تلك القواعد واختاروا تجاهلها؟ أم أنهم كانوا ضحية للخداع الأمريكي-الإسرائيلي؟
حتى الآن، لا يزال الجواب حبيس أروقة القرار العراقي، بينما تتزايد المخاوف من أن تتحول صحراء العراق إلى ساحة حرب بالوكالة، في ظل تزايد نفوذ الميليشيات التي ترى في هذه الانتهاكات دليلاً إضافياً على هشاشة الموقف الرسمي.
المصدر: نيويورك تايمز