أين قبورهم؟.. قصة عائلة كوردية كتبت فصول مأساتها بدموع الأنفال
أربيل (كوردستان24)- خلف كل رقم في سجلات ضحايا "الأنفال" حكايةُ وجعٍ لا تنتهي، وقصة حياةٍ سُرقت في لحظات. "زيرك عبد الرزاق" وابن خاله "تحسين علي"، هما وجهان لمعاناة واحدة، عائلةٌ رواندزية مزقتها أيادي النظام العراقي السابق، وما تزال تبحث عن حقيقةٍ غائبة ومصيرٍ مجهول لآباء وأمهات غيبتهم المقابر الجماعية.
بداية المأساة.. طفولةٌ بلا معيل
يروي "زيرك عبد الرزاق"، من قرية "كيروان" في قضاء رواندز، تفاصيل يومه المشؤوم، حيث فقد والدته واستشهدت، بينما اقتيد والده إلى جحيم الأنفال. يقول زيرك لـ "كوردستان 24": "كنا ستة إخوة، تتراوح أعمارنا بين 18 يوماً و7 سنوات. تولى جدي وجدتي مهمة تربيتنا بعد أن اختفى والدي في قرية ملكان".
تلك المرحلة لم تكن مجرد فقدان، بل كانت مطاردةً حتى في الحقوق الإنسانية البسيطة. يتذكر زيرك كيف أن جده حاول بكل ما أوتي من قوة "شراء حريتهم" من مدير الأمن في ذلك الوقت، بمبلغ 5 آلاف دينار عن كل فرد، في محاولةٍ يائسة لإنقاذ ما تبقى من العائلة.
خديعة "شهادات الوفاة"
لم تنتهِ معاناة العائلة عند حدود المال، بل امتدت لتشمل التزوير الإجرامي. يكشف زيرك عن لحظة تسلمهم شهادات الوفاة: "عندما أدرك مدير الأمن أن بيننا طفلاً صغيراً هو (تحسين علي)، أصرّ على العثور عليه وتصفيته. وبمساعدة مدير أمن المنطقة، تم إيهام النظام بأن الطفل قد توفي، لإنقاذه من الموت المحقق".
يضيف بمرارة: "حملت شهادات الوفاة الخمس التي تسلمناها لاحقاً عبارة (تم الإعدام)، ومُنعنا حتى من إقامة مجالس العزاء. وحتى يومنا هذا، لا أعرف أين يرقد والدي. كل ما أتمناه هو الكشف عن مصيرهم لأتحرر من هذا الثقل النفسي الذي يلاحقني".
تحسين علي.. الناجي الذي طارده الموت
قصة "تحسين علي"، الذي نجا من الإعدام وهو في الثامنة من عمره بفضل تضحية جده ومبلغ الـ 5 آلاف دينار سويسري، تعد وثيقة إدانة حية لتلك الحقبة. تحسين، الذي ينهي اليوم دراسته الجامعية في "رابرين"، لا يزال يحمل في ذاكرته تفاصيل الرعب.
يقول تحسين: "أطلق سراحي مقابل فدية، لكنني عشت سنوات في خوف دائم على من تبقى من عائلتي. وحين انكشف أمر تحرري، ادّعوا أنني لست على قيد الحياة، بل أخذونا إلى مواقع ادّعوا أنها مقابر جماعية لإجبارنا على تصديق وفاتهم".
جرحٌ لا يندمل
ما يزال "زيرك" و"تحسين" وآلاف العوائل الكوردية ينتظرون إجاباتٍ شافية. إن الغصة التي يعيشها هؤلاء ليست مجرد فقدان، بل هي غصة "المجهول". يختتم زيراك حديثه بأمنيةٍ بسيطة ومؤلمة في آنٍ واحد: "كل من فقد والديه في الأنفال يتمنى رؤيتهما في المنام، أما أنا، فلم أرهما حتى في أحلامي".
تقرير : اراس امين - رواندز - كوردستان 24