ربيع "وان".. جبل "إيريك" ورشة مفتوحة لجمع الأعشاب الطبية ومقصد سياحي وثقافي

أربيل (كوردستان 24)- مع إطلالة فصل الربيع من كل عام، تتحول المرتفعات الجبلية المحيطة بمدينة وان (Wan) في شمال كوردستان (جنوب شرق تركيا) إلى خلايا نحل بشرية، حيث يقصدها آلاف المواطنين والجامعين للبحث عن النباتات والأعشاب البرية النادرة التي تزخر بها المنطقة.

وفي حلقة خاصة من برنامج "ريبار" (Rêbar) الذي تبثه شاشة كوردستان 24، تم تسليط الضوء على جبل "إيريك" (Çiyayê Erek) الشاهق، الذي يرتفع نحو 3500 متر فوق مستوى سطح البحر، حيث يشكل هذا الجبل في هذه الآونة ملاذاً آمناً للباحثين عن الرزق، ومقصدًا دائمًا لمن يبتغون العلاج الطبيعي والتنزه.

جبل "إيريك".. صيدلية طبيعية في أعالي المرتفعات

على ارتفاعات شاهقة تكسوها الثلوج جزئياً وتتدفق منها الينابيع الصافية، تتوزع العائلات لجني النباتات التي تشكل ركيزة أساسية في الثقافة الغذائية والصحية للمنطقة.

ومن أبرز هذه النباتات "الريواس" (Rîvas - الروند البري و"السيريك" (Sîrik - الثوم البري، المستخدم في صناعة الجبن العشبي الشهير، إضافة إلى الكعوب.

ويشير مقدم برنامج "ريبار" خلال تغطيته الميدانية إلى حجم الإقبال اليومي على المرتفعات قائلاً: في هذا الوقت من السنة، يتوافد ما بين 1000 إلى 2000 مواطن يومياً إلى سفوح جبل إيريك لجمع الأعشاب البرية 'البنجار' ونبات الريواس.

هذه الجبال لا تمثل فقط لوحة طبيعية، بل هي ورشة عمل حقيقية ومصدر رزق وصحة متوارث للأهالي.

ولا يقتصر جني هذه النباتات على الاستهلاك المحلي، بل يُنظر إليها كعلاج طبيعي فعال للعديد من الأمراض المزمنة.

وفي هذا السياق، يشرح أحد سكان المنطقة ممن التقاهم البرنامج الفوائد العلاجية لنبات الريباس قائلاً: الريواس علاج طبيعي فعال، إذ يُعد دواءً ممتازاً لآلام ومشاكل المعدة، كما يساعد في ضبط مستويات السكر وضغط الدم لدى المرضى. كل من يتكبد عناء الصعود إلى هنا، يبحث بالدرجة الأولى عن هذه الصيدلية الربانية".

حنين العودة والتمسك بالجذور

يمثل موسم جمع الأعشاب مناسبة سنوية تجمع العائلات والمغتربين الذين ينحدرون من مدينة وان ويقيمون في المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة. هؤلاء يقطعون مسافات طويلة للمشاركة في هذه الطقوس واستنشاق هواء الجبال النقي.

وتتحدث إحدى السيدات اللواتي جئن من إسطنبول للمشاركة في هذا الموسم بملابسها الكوردية التقليدية قائلة: أعيش في مدينة إسطنبول، لكنني أحرص على القدوم إلى وان في هذا الوقت من كل عام لجمع السيريك والريواس والتنزه مع العائلة. هذه الجبال تعيد إلينا السكينة وتصلنا بجذورنا وأرضنا التي لا يمكن أن ننساها".

وأثناء جني الأعشاب، تصدح النسوة بأغانٍ فلكلورية تقليدية، التي تروي حكايات جبلية قديمة، ممتزجة بأصوات المياه المتدفقة من الشلالات القريبة مثل شلال "سولاف".

عمق تاريخي ومزارات مقدسة

إلى جانب ثروته النباتية، يحتضن جبل "إيريك" معالم تاريخية وروحية تعزز من قيمته لدى الأهالي. ومن بين هذه المعالم مزار قديم يُعرف بـ "زيارة السلطان" أو "مزار السلطان إيلو"، حيث تشير الروايات الشفهية المحلية إلى أنه مرقد لثلاثة إخوة قضوا كشهداء في فترات تاريخية قديمة.

وتتحدث سيدة مسنة تقطن قريباً من الموقع عن رمزية هذا المكان قائلة: هذا المكان هو مقام مقدس نطلق عليه 'زيارة السلطان'. الروايات المتوارثة تؤكد أن هنا يرقد ثلاثة إخوة من الشهداء. يأتي الناس إلى هنا لزيارتهم والتبرك والدعاء، فهو جزء ثابت من تاريخ ووجدان أهالي هذه المرتفعات.

وقد عاين فريق البرنامج بقايا فخارية أثرية متناثرة حول الموقع، مما يشير إلى الأهمية التاريخية والأثرية لتلك المرتفعات التي شهدت تعاقب حضارات متعددة.

مقارنة بين الأجيال.. الصحة البدنية ونمط الحياة

في حوار هادئ يفيض بالحكمة، قارن أحد وجهاء المنطقة المسنين بين مشقة الماضي ووسائل الراحة الحالية، وتأثير ذلك على الصحة البدنية للسكان: في شبابنا، كنا نسير على أقدامنا لثلاث ساعات متواصلة للوصول إلى هذه القمم بدءاً من منتصف الليل. كانت أجسادنا قوية وصحتنا ممتازة بفضل الحركة الدائمة ونقاء الغذاء الطبيعي. اليوم، وفرت التكنولوجيا والسيارات سبل الراحة، لكن الأمراض كثرت وقلّت الحركة البدنية والنشاط الذي كان يميز أهالي القرى.

 

المطبخ التقليدي والدبكات الشعبية

لا يكتمل اليوم الجبلي الشاق دون لمسة المطبخ التقليدي؛ حيث تجتمع العائلات لإعداد حفلات الشواء على الحطب، وتجهيز وجبة "الهلو" (Helew) التراثية المصنوعة من الدقيق والزيت المحلي.

ومع نهاية اليوم، يصطف المشاركون من مختلف الفئات العمرية في حلقات دائرية عاقدين دبكات "" (Govend) الفلكلورية الكوردية على بساط الجبل الأخضر، مجسدين لوحة حية من التلاحم الاجتماعي والتناغم مع الطبيعة.