بعد "صولة الفجر".. هل تسعى "الدولة العميقة" إلى إرباك تحقيقات الفساد في العراق؟
أربيل (كوردستان 24)- دخلت حملة مكافحة الفساد في العراق، مرحلة أكثر تعقيداً مع تصاعد محاولات التشويش على التحقيقات، وظهور حملات تضليل وابتزاز تستغل زخم الملفات المفتوحة، بالتزامن مع مؤشرات على تصاعد الضغوط السياسية والإعلامية مع اتساع دائرة التحقيقات واحتمال انتقالها إلى شبكات وشخصيات أكثر نفوذاً.
وحذّر القضاء العراقي من محاولات تستهدف التشويش على تحقيقات الفساد بعد رصده عمليات ابتزاز طالت رجال أعمال، فضلاً عن تداول معلومات وصفها بأنها "عارية من الصحة" بشأن مجريات التحقيقات، في تطور يكشف حجم الضغوط التي ترافق الحملة القضائية والأمنية المستمرة والتي أطاحت بعدد من المسؤولين والنواب وكبار الموظفين.
وجاء تحذير القضاء بعد أيام من تصاعد الحديث في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي عن قوائم جديدة وأسماء شخصيات يقال إنها مشمولة بالتحقيقات، الأمر الذي دفع محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية إلى إصدار بيان توضيحي.
ابتزاز إعلامي وسياسي
وكشف مصدر مطلع لـ"إرم نيوز" أن "التحذير القضائي لم يكن إجراءً روتينياً، بل جاء بعد رصد سلسلة من الوقائع التي أثارت قلق الجهات القضائية، أبرزها تصاعد عمليات ابتزاز إعلامي وسياسي عبر الزج بأسماء شخصيات ورجال أعمال ومسؤولين لم تشملهم التحقيقات الجارية، وإيهامهم بأن ملفات قضائية قد فُتحت بحقهم مقابل طلب مبالغ مالية أو وعود بالتدخل لإغلاق تلك الملفات".
وأضاف المصدر، الذي طلب حجب هويته، أن "السلطات القضائية تلقت كذلك مؤشرات عن وجود تحركات سياسية وإعلامية تسعى إلى الحد من زخم حملة مكافحة الفساد"، موضحاً أن "جزءاً من هذه المحاولات انعكس في الخطاب الصادر عن شخصيات ومحللين مقربين من بعض القوى السياسية، الذين بدأوا بالتشكيك بالحملة أو التحذير من استمرارها".
وتشير المعطيات إلى أن حملة مكافحة الفساد دخلت مرحلة مختلفة عن سابقاتها، إذ لم تعد تقتصر على تنفيذ أوامر قبض بحق متهمين، بل باتت تترافق مع إجراءات تهدف إلى حماية سرية التحقيقات ومنع استغلالها لأغراض الابتزاز أو تصفية الحسابات السياسية.
تفاعل شعبي واسع
وكانت حملة مكافحة الفساد قد انطلقت بصورة غير مسبوقة مع تنفيذ عملية "صولة الفجر" داخل المنطقة الخضراء، التي أسفرت عن اعتقال عدد من المسؤولين والنواب والموظفين البارزين بتهم تتعلق بالفساد وهدر المال العام، قبل أن تتوسع التحقيقات لاحقاً لتشمل مسؤولين تنفيذيين وشخصيات أخرى، بالتزامن مع ضبط مبالغ مالية وعقارات ووثائق قالت السلطات إنها مرتبطة بملفات الفساد التي يجري التحقيق فيها، فيما أكد القضاء أن التحقيقات لا تزال مستمرة وأن الملفات لم تغلق بعد.
وأثارت الحملة تفاعلاً سياسياً وشعبياً واسعاً، إذ حظيت بدعم من قوى سياسية ومرجعيات دينية وشخصيات عامة رأت فيها خطوة غير مسبوقة لاستعادة هيبة الدولة، في حين ارتفعت مطالبات شعبية بتوسيع التحقيقات وعدم الاكتفاء باعتقال مسؤولين تنفيذيين، بل الوصول إلى من يقف وراء شبكات الفساد ومموليها، مع التشديد على ضرورة استمرار الإجراءات بعيداً عن أي ضغوط أو تسويات سياسية.
بدوره، قال الباحث في الشأن السياسي حسين الطائي: إن "حالة البرود التي تبديها بعض قوى الإطار التنسيقي تجاه حملة مكافحة الفساد لا تعود إلى اختلاف في المواقف فحسب، بل إلى كون هذه الحملة انطلقت من دون علم مسبق لقياداتها" مبيناً أن "أي تسريب للمعلومات قبل تنفيذ عمليات الاعتقال كان سيؤدي إلى إفشالها بالكامل".
وأضاف الطائي أن "المؤشرات الحالية توحي بأن ما جرى لم يكن سوى بداية لمسار قد يتضمن حملات مفاجئة أخرى" لافتاً إلى أن "استمرار التحقيقات قد يقود إلى شخصيات ضمن الدولة العميقة وشبكات فساد أكثر تعقيداً، وليس إلى أفراد فقط، وهو ما يجعل بعض القوى السياسية تنظر إلى المرحلة المقبلة بقدر كبير من الحذر".
وأوضح أن "توسع التحقيقات، إذا استمر بالوتيرة الحالية، قد يطال شخصيات تنتمي إلى قوى سياسية نافذة، فضلاً عن حلفاء لتلك القوى من مختلف المكونات، الأمر الذي قد يرفع مستوى الاعتراض السياسي على أي حملات جديدة، ولا سيما إذا انتقلت التحقيقات إلى ملفات مالية واقتصادية أكثر عمقاً".