السرطان وشح الأدوية.. مأساة مزدوجة تفتك بمئات المرضى في الأنبار وسط عجز حكومي
أربيل (كوردستان 24)- يقف مئات المصابين بمرض السرطان يومياً في طوابير طويلة أمام ردهات المستشفيات الحكومية في محافظة الأنبار، ليس لمواجهة آلام المرض العضال فحسب، بل على أمل الحصول على جرعة علاج كيميائي قد لا تأتي، في وقت تشهد فيه المحافظة تصاعداً مقلقاً في معدلات الإصابة بالأورام السرطانية.
ويؤكد المرضى وعائلاتهم أن النقص المزمن في الأدوية الأساسية داخل المستشفيات الحكومية فاقم من معاناتهم الإنسانية، مما يضطرهم إلى شراء العلاجات من الصيدليات الأهلية بأسعار باهظة تفوق قدرتهم المادية، وسط تساؤلات مستمرة عن أسباب غياب هذه الأدوية المنقذة للحياة رغم الموازنات الكبيرة المخصصة للقطاع الصحي.
رحلة البحث عن "جرعة الحياة" في السوق السوداء
يواجه المرضى في الأنبار ظروفاً مادية وصحية معقدة؛ حيث تخلت المستشفيات عن دورها التمويلي للأدوية الحيوية نتيجة ضعف التجهيز الحكومي.
وفي هذا الصدد، يتحدث أبو غسان (مريض سرطان) بحسرة عن تكاليف العلاج قائلاً:
"نضطر لشراء جميع الأدوية والجرعات من الصيدليات الخارجية على حسابنا الخاص لعدم توفر أي شيء داخل المستشفى. نطالب وزارة الصحة بالتدخل العاجل؛ فهذه الأدوية تفوق قدرتنا المادية كمرضى".
ولم تتمالك المريضة أم حسين (مصابة بالسرطان) دموعها وهي تطلق مناشدة إنسانية عبر شاشة كوردستان 24:
"نناشد وزارة الصحة والمسؤولين بتوفير علاجات السرطان؛ فهذا المرض تفشى بشكل مرعب في الأنبار وعموم العراق. نحن عائلات متعففة بلا رواتب ولا نملك أي دخل مادي يغطي تكاليف العلاجات الباهظة".
من جهتها، تشير عذراء الجميلي (مرافقة لأحد المرضى) إلى غياب العدالة التوزيعية في الرعاية الصحية:
"الحالة المعيشية للمرضى منهارة تماماً؛ من يمتلك المال يشتري العلاج وينجو، ومن لا يمتلك الإمكانية يواجه الموت ببطء. يجب على الجهات المعنية الالتفات الفوري لهذه الفئة المنسية".
أرقام صادمة وتلوث بيئي: 6 آلاف إصابة جديدة سنوياً
تسجل محافظة الأنبار ما يزيد على 6,000 إصابة جديدة بمرض السرطان سنوياً، وفقاً للإحصاءات الرسمية لمركز الأورام في المحافظة. وتواجه المؤسسات الصحية عجزاً واضحاً في استيعاب هذه الأعداد المتزايدة نتيجة نقص الردهات والأسرة المخصصة للعلاج. ويعزو الأطباء والمختصون هذا الارتفاع القياسي إلى مخلفات الحروب والتلوث البيئي المتراكم.
وفي لغة الأرقام الطبية، توضح الدكتورة نور هادي، مسؤولة ردهة الأورام في مستشفى الفلوجة، حجم الضغط الخدمي المتزايد بالقول:
"تستقبل ردهة الأورام في مستشفى الفلوجة وحدها ما بين 100 إلى 150 مريضاً أسبوعياً، والجزء الأكبر منهم يأتون لتلقي جرعات العلاج الكيميائي بروتوكولياً".
وحول مسببات انتشار الأورام، تضيف د. هادي:
"يرجع تزايد الحالات بشكل أساسي إلى الملوثات البيئية الكثيفة، وانبعاثات المصانع، فضلاً عن المخلفات والملوثات الحربية الناتجة عن العمليات العسكرية السابقة، وكلها عوامل تراكمية أدت إلى قفزة واضحة في أعداد المصابين".
بين مطرقة تزايد أعداد الإصابات وسندان الشح الحاد للأدوية، تظل صرخات مرضى الأورام في الأنبار بانتظار استجابة حقيقية وعاجلة من وزارة الصحة الاتحادية لتعزيز خدمات مراكز الأورام، وتأمين حقهم الدستوري والإنساني في الرعاية الطبية المجانية لتخفيف كاهل الأعباء المادية عن أسرهم المنهكة.
تقرير: محمد الدليمي – الأنبار - كوردستان 24