"سكر التوت" في الفضاء السحيق.. سابقة علمية تكشف أسراراً جديدة عن أصل الحياة

أربيل (كوردستان24)- في اكتشاف يقلب الموازين العلمية حول أصول الحياة، رصد علماء فلك لأول مرة جزيئات من سكر "الإريثرولوز" الطبيعي –الموجود عادة في ثمار التوت الأحمر– داخل سحب من الغبار والغاز في أعماق مجرة درب التبانة. ويمثل هذا الرصد دليلاً قوياً على أن المركبات الضرورية لنشأة الحياة يمكن أن تتشكل في الفراغ الشحيح بين النجوم حتى قبل ولادة الكواكب.

قاد هذا البحث فريق من "المركز الإسباني لعلم الأحياء الفلكي"، حيث استخدم العلماء تلسكوبات راديوية متطورة في مرصدي "ييبس" و"معهد علم الفلك الراديوي" (IRAM) بإسبانيا، لمسح السحابة الجزيئية المعروفة باسم (G+0.693−0.027) الواقعة بالقرب من مركز المجرة.

وتمكن الباحثون من تحديد "الإريثرولوز"، وهو سكر معقد يتكون من أربع ذرات كربون، عبر مطابقة بصمته الجزيئية في البيانات الراديوية مع قياسات مخبرية دقيقة. وأكدت الباحثة إيزاسكون خيمينيز-سيرا أن هذا الاكتشاف كان "غير متوقع"، كونه يتحدى النظريات السائدة التي تفترض نمو الجزيئات في الفضاء بشكل أبسط وأبطأ.

تعد السكريات حجر الزاوية في الأنظمة الحية؛ فهي لا توفر الطاقة فحسب، بل تدخل في بناء الهياكل البيولوجية والمادة الوراثية (DNA وRNA). ورغم رصد أكثر من 340 جزيئاً في الفضاء سابقاً، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها رصد سكر بهذا التعقيد في الوسط بين النجمي.

وفي هذا السياق، أشار مارك سيبتون، الأستاذ في "إمبريال كوليدج لندن"، إلى أن هذا الاكتشاف يعزز فرضية أن النظام الشمسي تشكل من مادة عضوية كانت موجودة مسبقاً في الفضاء، ولم تكن الأرض "معزولة" في كيميائها الحيوية.

يربط العلماء بين هذا الاكتشاف وبين تاريخ الأرض المبكر؛ حيث تُشير التقديرات إلى أن كميات ضخمة من هذا السكر (تتراوح بين 500 ألف و50 مليون طن) ربما انتقلت إلى كوكبنا عبر النيازك والمذنبات خلال فترة "القصف الكثيف المتأخر" قبل نحو 4 مليارات عام.

ويوجد "الإريثرولوز" على الأرض بكميات ضئيلة في الفواكه، ويُستخدم تجارياً في مستحضرات التجميل، لكن وجوده في الفضاء يفتح آفاقاً جديدة للبحث عن جزيئات أكثر حيوية مثل "الريبوز".

واختتم كارلوس بريونيس، المشارك في الدراسة، مؤكداً أن هذا الإنجاز يفتح الباب على مصراعيه لفهم كيف يمكن للكون أن يكون "مختبراً كيميائياً عملاقاً" يجهز اللبنات الأساسية للحياة قبل وقت طويل من ظهور الكائنات الحية.