فجر الروبوتات القاتلة: وادي السيليكون يعيد صياغة عقيدة الحرب بالذكاء الاصطناعي

روبوت فانتوم ام کي 1
روبوت فانتوم ام کي 1

أربيل (كوردستان24) - تتسارع خطى التطور التقني لتدفع بالبشرية نحو حقبة جديدة من النزاعات المسلحة، حيث لم تعد الروبوتات القاتلة مجرد ضرب من خيال "هوليوود"، بل أصبحت واقعاً تروج له كبرى شركات "وادي السيليكون". ومع ضغط الإدارة الأمريكية الحالية لدمج الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات العسكرية، يواجه العالم اختباراً أخلاقياً وقانونياً غير مسبوق حول مشروعية منح الآلات القدرة على اتخاذ قرار "القتل" دون تدخل بشري مباشر.

رؤية "فاونديشن": الروبوت كجندي مستقل

في قلب هذا التحول، تبرز شركة "فاونديشن" (Foundation) الناشئة، التي تأسست عام 2024 كخطوة راديكالية تكسر الالتزامات السابقة لشركات الروبوتات بعدم تسليح ابتكاراتها. في فيديو ترويجي، ظهر الروبوت "فانتوم" (Phantom) وهو يلقم مدفع هاون بدقة متناهية. ويرى مؤسس الشركة، "باثاك"، أن المستقبل يتجه حتماً نحو أسلحة ذاتية التشغيل قادرة على اتخاذ قرارات خاطفة في ساحة المعركة.

يبرر باثاك، المدعوم من "إريك ترامب" وبعقود مع البنتاغون تصل لـ 24 مليون دولار، هذا التوجه بمنطق جيوسياسي؛ إذ يرى أن واشنطن لا تملك ترف التخلي عن هذه التقنية بينما تطورها قوى مثل روسيا والصين. وفي نظره، فإن الروبوتات المسلحة ليست "كوابيس"، بل أدوات دقيقة ستحمي الجنود والمدنيين وتمنح الولايات المتحدة تفوقاً استراتيجياً رادعاً.

السباق التشريعي وضغط الإدارة الأمريكية

لم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي العسكري نظرياً، بل انتقل إلى أروقة القرار في واشنطن. فبتوجيهات من الرئيس دونالد ترامب، يعمل البنتاغون على تحديث سياساته لنشر أسلحة فتاكة تعمل بالذكاء الاصطناعي. ويحث ترامب المسؤولين على "تسريع المسؤول" لاستخدام هذه التقنيات، منتقداً القيود السابقة التي يراها معرقلة لتزويد القوات بأحدث التقنيات.

تزامن هذا مع تحركات في مجلس الشيوخ لمناقشة قانون للأمن القومي يشجع على "تعظيم" استخدام الأنظمة المستقلة، مع محاولة وضع أطر تضمن بقاء المسؤولية النهائية في يد القادة البشريين. وفي الأمم المتحدة، دافع المسؤولون الأمريكيون عن هذا التوجه، محذرين من معايير دولية قد تعيق الابتكار، ومؤكدين أن الأتمتة قد تجعل استخدام القوة "أكثر دقة وحكمة".

يمكن للروبوتات الذكية الجديدة اختيار الأهداف ومهاجمتها بمفردها – تعبيرية (آيستوك)

الصرخة الأخلاقية: "مقزز أخلاقياً"

على الجانب الآخر، تقف جبهة معارضة واسعة تضم قادة دينيين ودبلوماسيين ومنظمات حقوقية. وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، فكرة سلب الآلات للأرواح البشرية بأنها "مقززة أخلاقياً"، داعياً إلى حظرها دولياً. ويشاركه في هذا القلق البابا ليو الرابع عشر، مؤكداً أن قرارات الحياة والموت يجب أن تظل "بشرية بامتياز".

وينصب القلق الأساسي على فقدان "المسؤولية الأخلاقية"؛ فمن سيُحاسب حين يرتكب روبوت "مستقل" مجزرة؟ وهل يمكن لنظام برمجي أن يستوعب تعقيدات القانون الدولي الإنساني في لحظة اشتباك معقدة؟

انقسام في وادي السيليكون

أحدثت هذه التطورات انشقاقاً عميقاً داخل "وادي السيليكون". فبينما وافقت شركات مثل "OpenAI" على التعاون مع الجيش بشروط تضمن "إشرافاً بشرياً"، أبدت شركات أخرى مثل "Anthropic" تخوفاً كبيراً. فقد حذر مديرها التنفيذي، داريو أمودي، من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية ليست موثوقة بما يكفي لاتخاذ قرارات مصيرية، مشيراً إلى خطر ظهور "أسراب من الطائرات المسيرة" لا يمكن قهرها.

هذا الانقسام أدى إلى موجة احتجاجات واستقالات لخبراء يرفضون تحويل أبحاثهم إلى أدوات قتل، وصلت إلى حد وضع "أكياس جثث" رمزية أمام مكاتب الشركات في سان فرانسيسكو تعبيراً عن الاحتجاج.

بين الحتمية التكنولوجية والواقع الميداني

يرى المدافعون عن هذه التقنية، مثل "مايكل هورويتز" المسؤول السابق في البنتاغون، أن الجيش يستخدم بالفعل أنظمة آلية منذ عقود، مثل المدافع الدفاعية في السفن. ومع ذلك، يحذر خبراء مثل المهندس "رايان غاريب" من أن الذكاء الاصطناعي يفشل بطرق غير متوقعة، متسائلاً: "إذا كنا لا نثق في روبوت ليدير بريدنا الإلكتروني بالكامل، فكيف نثق به لإدارة الزناد؟".

بين طموحات "وادي السيليكون" لتسليح المستقبل، وتحذيرات القادة من فقدان السيطرة، يظل العالم يترقب. هل ستؤدي الروبوتات المستقلة إلى حروب أكثر "دقة" كما يزعم باثاك، أم أنها ستفتح باباً لنمط جديد من النزاعات التي تخرج عن السيطرة البشرية، لتصبح فيها حياة الإنسان مجرد "خوارزمية" في ذاكرة آلة؟

المصدر: صحیفة واشنطن بوست