بين فوهة المدافع وطاولة التفاوض: هل تقترب واشنطن وطهران من "نقطة تحول" في صراع مضيق هرمز؟

أربيل (كوردستان 24) –دخل الصراع المتقلب بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة حرجة مع اقتراب دخوله شهره الخامس يوم الثلاثاء المقبل. وفي وقت توقفت فيه الغارات الجوية الأمريكية مؤقتاً، تبرز تساؤلات ملحة حول ما إذا كان الطرفان قد وصلا إلى "نقطة تحول" تسمح بالخروج من مأزق المواجهة العسكرية نحو مسار دبلوماسي مستدام، أم أن هذا الهدوء ليس سوى "استراحة محارب" تمليها ظروف عملياتية أو سياسية.

دبلوماسية الكواليس وإشارات التهدئة

تشير تقارير ميدانية إلى أن الجهود الدبلوماسية التي يقودها وسطاء إقليميون تسارعت بشكل ملحوظ. واعتبر مسؤول إقليمي مشارك في الوساطة أن التوقف المؤقت للضربات الأمريكية، وما قابله من توقف إيراني للهجمات الانتقامية ضد الدول المستضيفة للقوات الأمريكية، يمثل "إشارة إيجابية" تعزز مساعي خفض التصعيد.

وتتمحور المفاوضات الحالية حول العودة إلى اتفاق "وقف إطلاق النار المؤقت" الذي انهار سابقاً. ويكمن جوهر التسوية المقترحة في إيجاد صيغة تسمح لإيران بإدارة حركة السفن عبر مضيق هرمز، مقابل فرض قيود أقل صرامة على الملاحة الدولية. وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إجراء جولات من المباحثات الفنية مع وفد عماني في طهران، مشيراً إلى إحرز تقدم ملموس رغم مغادرة الوفد للعاصمة الإيرانية.

مضيق هرمز: قلب الصراع الجيوسياسي

يمثل مضيق هرمز العصب الحيوي لهذا النزاع؛ حيث يتدفق عبره عادةً نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. ومنذ اندلاع المواجهات في 28 شباط/فبراير الماضي، فرضت إيران قيوداً صارمة على الممر المائي، شملت استهداف ناقلات النفط وسفن الشحن، مما أدى إلى قفزة هائلة في أسعار الطاقة عالمياً.

التصعيد العسكري الأمريكي الأخير جاء رداً على محاولات إيران فرض سيطرتها على المسارات الملاحية القريبة من سواحلها، ومطالبتها بفرض رسوم على السفن العابرة. ورداً على ذلك، لم تكتفِ واشنطن بضرب الدفاعات الساحلية الإيرانية، بل وسعت بنك أهدافها ليشمل الجسور والبنى التحتية الحيوية في الجنوب والعمق الإيراني، في محاولة وُصفت بأنها ضغط لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات.

عامل نيتنياهو والغياب الإسرائيلي

يزيد من تعقيد المشهد الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتنياهو إلى واشنطن الأسبوع المقبل. ورغم أن إسرائيل شنت الحرب إلى جانب الولايات المتحدة في بدايتها، إلا أنها كانت غائبة بشكل لافت عن الموجات الأخيرة من الهجمات الأمريكية.

ويرى مايكل سينغ، المدير الإداري بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن هذا الغياب قد يحمل رسالتين متناقضتين؛ فإما أنه يمثل إشارة لطهران بأن واشنطن تسعى للحد من نطاق الصراع، أو أنه نذير تصعيد قادم في حال انخرطت إسرائيل مجدداً، وهو ما تدركه طهران جيداً وتخشى تبعاته.

استراتيجية ترامب: التهديد والتفاوض بالتوازي

من جانبه، يتبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطاباً مزدوجاً؛ فبينما يلوح بمواصلة العمليات العسكرية "لتفكيك القدرات الإيرانية قطعة بقطعة"، يؤكد في الوقت نفسه أن القنوات الدبلوماسية مفتوحة. ورغم الضغوط الداخلية المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود وتأثيرها المحتمل على انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، يصر ترامب على أنه "ليس في عجلة من أمره"، مؤكداً على ضرورة التوصل إلى اتفاق "صحيح" بدلاً من الحلول السريعة.

وتواجه الإدارة الأمريكية تحدياً في قراءة المشهد الإيراني الداخلي، حيث تتصارع أجنحة مختلفة داخل القيادة في طهران. ويرى محللون أن الجانب الإيراني يخشى أن يُنظر إلى أي تنازل على أنه علامة ضعف قد تؤدي إلى تآكل قبضته على السلطة، رغم الحاجة الماسة لإعادة فتح المضيق لأسباب اقتصادية خانقة.

ساحات بديلة وضغوط مستمرة

لا ينفصل مشهد هرمز عن التوترات الإقليمية الأخرى؛ فقد أعلن الحوثيون في اليمن استهداف السعودية بالصواريخ والطائرات المسيرة، معلنين إغلاق مضيق "باب المندب" رداً على الغارات السعودية. وفي الوقت نفسه، تواصل البحرية الأمريكية فرض حصارها على الموانئ الإيرانية، حيث أعلنت مؤخراً عن تعطيل سفينة تخرفع الحصار في خليج عمان.

الخلاصة: البحث عن "توازن مستقر"

يبقى السؤال قائماً حول ما إذا كان هذا الهدوء سيفضي إلى انفراجة حقيقية. يخلص الخبراء إلى أن كلا الطرفين يحتاجان اقتصادياً إلى إعادة فتح المضيق، لكنهما يختلفان جذرياً حول شروط السيطرة والإدارة. إن الوصول إلى "توازن مستقر" يتطلب توافقاً على قواعد الملاحة والسيادة، وهو ما ستحاول الدبلوماسية والقوة العسكرية صياغته في الأيام القادمة، وسط ترقب دولي لما ستسفر عنه لقاءات واشنطن ومفاوضات مسقط وطهران.

المصدر: AP