فنّ حياكة السجاد في أربيل حرفة تروي تاريخ شعب
هي واحدة من أهم الحرف اليدوية في كوردستان العراق، حرفة تجسّد إبداعاً لدى الشعب الكوردي وتحديداً عند المرأة الكوردية التي تضع لمساتها وذوقها لصناعة لوحة فنيّة بكل ما للكلمة من معنى، محافظةً على جانب مهم من جوانب التراث الكوردي.
أربيل (كوردستان 24)- هي واحدة من أهم الحرف اليدوية في كوردستان العراق، حرفة تجسّد إبداعاً لدى الشعب الكوردي وتحديداً عند المرأة الكوردية التي تضع لمساتها وذوقها لصناعة لوحة فنيّة بكل ما للكلمة من معنى، محافظةً على جانب مهم من جوانب التراث الكوردي.
من الجد إلى الأب واليوم الابن، مهنة تراثية مميّزة تناقلتها الأجيال؛ حيث تشكّل حياكة السجاد أحد أهم الملامح التراثية في إقليم كوردستان؛ فهي حرفة فنية ثقافية تراثية جعلت من الشعب الكوردي يتقنها بحرفية عالية ودقّة لا متناهية، بل هم أوّل شعب أثبت جدارته في ممارسة حرفة الحياكة التقليدية لتشكل جزء لا يتجزأ من الفن الكوردي الأصيل، فزادت رونقاً وجمالاً مع مرور السنوات حيث اتّخذت أنماطاً وأشكالاً متعدّدة عبر الزمن.

تاريخ الصناعة
يُقدّر عمر صناعة السجاد اليدوي ما بين 100 و300 سنة؛ فالسجاد اليدوي جزء من الحضارة الكوردية التي تعود جذورها إلى آلاف السنين، وهي تحتلّ المرتبة الثانية بالقدم بعد الزراعة التي تنشط في الإقليم؛ فمنذ العام 1970 تم إنشاء نحو 20 معملاً للسجاد اليدوي في إقليم كوردستان، ولكن مع مرور السنين والمنافسة الأجنبية للسجاد، تقلّص عدد المعامل في الإقليم ليصل إلى نحو 8 معامل فقط، ومع ذلك لا نزال نجد هذه الحرفة منتشرة في عدّة أماكن خصوصاً وأنها يدوية وتستلزم مهارات خاصة.

أين نجد السجاد المحلّي؟
تكثر المحال التي تبيع السجاد في أربيل تحديداً حيث يتهافت الزبائن وخصوصاً السياح لشراء هذه القطعة الأثرية وصمدها في المنزل، ولعلّ المتجر الذي يقع في أسفل قلعة أربيل أكثر مكان يقصده السيّاح لشراء هذه التحفة النادرة.
أمّا متحف النسيج الكوردي أو متحف الغزل كما يُسمّى، الموجود في قلب القلعة منذ العام 2004، فيحتوي على العديد من القطع الأثرية التي تعود إلى قرون وتَدل على التقاليد القديمة الخاصة بالثقافة الكوردية من بينها السجاد المحلي.
كما كان المتحف يضمّ معملاً لصناعة السجاد تعمل فيه مجموع من النساء اللاتي دُربن على صناعة السجاد اليدوي، لكنه توقف عن العمل منذ سنوات بسبب الأزمة الإقتصادية التي أصابت الإقليم في السنوات الأخيرة.

السجاد البديل
همام غازي أحد الخيّاطين في معمل للسجّاد الصناعي في شارع الطحين(قرب القلعة) يروي لنا أن هذا النوع من السجاد هو مستهلك كثيراً في أربيل، ويعدّد أنواعه مثل التركي والإيراني والسعودي والأردني، لكنّ الأصالة بحسب رأيه تبقى في السجاد المحلي الذي تتفاوت أسعاره بحسب الخامة والجودة، وهي بالطبع أغلى من المستورد بأضعاف، باعتبار أنه سجاد أزليّ وجزء من التراث.
ورغم أن الخيّاط يشتكي من عدم دعم الحكومة لهذه الصناعة، خصوصاً وأن العديد من سكان إقليم كردستان يتمتع بكفاءة عالية، كما أن الإقليم مهيّأ لهذه الصناعة، يأمل في أن تزدهر هذه الصناعة بقوّة وأن "يموت" الإستيراد مع كل الكفايات الموجودة لدى الشعب في الإقليم.

تاريخ وحضارة
في أسواق سورجي، قابلنا ياسين عارف علي الذي يملك مستودعاً فيه أنواع عدّة من السجاد، وتتنوّع عنده نوعيّة السجاد، كما أنّنا يمكننا رؤية تكدّس السجاد المحلي الأصيل في زوايا عدّة من المصنع.
يتحدّث ياسين بشغف عن السجاد التقليدي الذي يصفه بالقديم ويرينا جودته هناك حيث يجلس محاطاً به، كاشفاً عن أن الصوف هو أساس هذه الصناعة وتحديداً صوف الغنم.
يقول ياسين إن هذه الصناعة قديمة جداً يقدّر بأنها تعود إلى 70 سنة، أما ثمن القطعة الصغيرة فيبدأ بـ20 ألف دينار، ويمكن أن تصل القطعة إلى 5000 دولار أو 6 ملايين دينار، واصفاً جمالية تلك القطع "المعمّرة" من حيث ألوانها ونقوشها المستوحاة من أسلوب الحياة والرسوم المطبوعة التي تكشف هوية شعب تجري الحضارة في عروقه والإبتكار في دمه.
ويستذكر ياسين الزمن الجميل حيث كانت نساء كوردستان تمارس حياكة السجاد ولا زلت حتى اليوم، معتبراً أن حينها هذه الحرفة كانت مصدر رزقها الوحيد، كما أن عملية حياكته ليست بالأمر السهل، كذلك فهذه الصناعة يدوية من دون اللجوء إلى معامل لتصنيعها، وهنا يتدخّل شريكه في المصنع خطاب عمر مولود ليروي لنا عن جمالية هذه الصناعة، كما وأخذ إحدى القطع ليرينها وزنها و"ثقلها" بالشكل والمضمون.
وعندما سألناهما إن كانت حكومة كوردستان تدعم هذه الصناعة، اختلف الإثنان في الرأي؛ ياسين لا يطلب دعم الحكومة لهذه الحرفة؛ فهو راضٍ بحالته ويكتفي بالسجاد المستورد في الفترة الحالية، حيث من وجهة نظره أن الإنسان في العصر الماضي لم يكن متعلماً، فكان يكتفي بخياطة السجاد في حين تغيّرت الحال اليوم إذ لم تعد حياكة السجاد أولويّة لكسب لقمة العيش.
يخالفه خطاب الرأي، داعياً الدولة إلى دعم هذه الصناعة التي انهارت بالفعل، سائلاً:" لماذا لا نشجّع الصناعة المحلية وتخرج أموالنا إلى خارج البلد بدلاً من الإستفادة منه في الداخل؟ ".
وأخيراً يبقى على الأجيال الجديدة تقدير هذا الإرث وعدم إهماله لكي لا يأتي يوم ويضمحلّ لأنه سيظل بلا شك عنواناً للفولكلور الكوردي.


أعدت التقرير نيكول يوحنا
تحرير سوار احمد