"حياةٌ على صهوة جواد".. رحلة الرعاة الرحّل في كوردستان الشمالية بين قسوة الطبيعة وندرة الأيدي العاملة
أربيل (كوردستان24)- على سفوح جبال قاضيان الخضراء، وفي عمق وادي أورشي بكوردستان الشمالية(تركيا)، حيث تتناغم أصوات الطبيعة مع ثغاء الأغنام، تتواصل حكاية الرعاة الرحّل في كوردستان، حياة مليئة بالمشقة والتحديات، لكنها تفيض بالأصالة والارتباط العميق بالأرض.
مع حلول فصل الربيع، يحزم الرعاة أمتعتهم وينطلقون في رحلتهم السنوية الطويلة من المناطق الدافئة إلى المراعي الصيفية الباردة "زوزان"، حيث يقضون قرابة أربعة أشهر في رعاية مواشيهم، وهي مهنة توارثوها عن أجدادهم، لكنها اليوم تواجه تحديات وجودية تهدد استمراريتها.
أحد هؤلاء الرعاة المخضرمين اسمه حسني ولات، الذي قضى حياته بين الجبال والوديان، يصف صعوبة مهنتهم قائلاً لكوردستان24: "حياة الرعي شاقة جداً. نقوم بحلب الأغنام وصناعة الجبن ومنتجات الألبان الأخرى، وهي أعمال تتطلب جهداً كبيراً". ويضيف بأسى: "لكننا مجبرون على الاستمرار، فلا عمل لنا غير هذا. نخشى أن يأتي يوم ولا نجد من يرث هذه المهنة".
تكمن المشكلة الأكبر التي تواجه هؤلاء الرعاة في ندرة الأيدي العاملة. فالشباب اليوم يهجرون هذه الحياة الصعبة بحثاً عن فرص عمل أسهل في المدن. يوضح الراعي: "الشباب لا يرغبون في العمل كرعاة، لقد تركوا هذه المهنة واتجهوا إلى المدن. في الماضي، كان هناك في كل منطقة نحو 10,000 رأس من الماشية، لكل شخص قطيعه الخاص الذي يتراوح بين 200 إلى 300 رأس. أما الآن، فقد قلّت الأعداد بشكل كبير".
هذا النقص في الأيدي العاملة يضع عبئاً ثقيلاً على كاهل كبار السن الذين ما زالوا متمسكين بمهنة أجدادهم. ويضيف الراعي بحسرة: "نحن ندفع رواتب تصل إلى 70 مليون ليرة تركية (حوالي 4,500 دولار) للعامل لمدة ستة أشهر، لكننا بالكاد نجد من يقبل بالعمل. لقد أصبحت مهنة الرعي نادرة".
تتجسد حياة هؤلاء الرعاة في لوحة فنية تمتزج فيها قسوة الطبيعة مع جمالها الساحر؛ من حلب الأغنام عند الفجر، إلى قيادة القطعان عبر الوديان والجبال الشاهقة، وصولاً إلى الرقصات الفلكلورية والأغاني التراثية التي ترددها النساء والرجال على حد سواء، والتي تعكس أفراحهم وأحزانهم وارتباطهم الوثيق بهذه الأرض.
ومع ذلك، تبقى مهنة الرعي، التي شكلت جزءاً أساسياً من هوية وثقافة كوردستان لقرون طويلة، في مواجهة مباشرة مع تحديات الحداثة والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. فهل ستصمد هذه الحياة التقليدية أمام هذه التحديات، أم أنها ستصبح مجرد ذكرى في حكايات الأجداد؟ المستقبل وحده كفيل بالإجابة.