منطقة "المعامل" في بغداد.. بحيرات من الأوبئة والفشل الكلوي يفتك بالسكان

أربيل (كوردستان24)- في مشهدٍ تأنفُ منه حتى أفقر بقاع العالم، تعيش منطقة "المعامل" شرقي العاصمة بغداد واقعاً مأساوياً يطوقه التلوث من كل جانب. هنا، حيث تحولت المياه الآسنة وتلال النفايات إلى "واقع حال" يفرضه الإهمال الحكومي، لم يعد الخطر مجرد روائح كريهة، بل بات شبحاً يطارد الأجساد ويخطف الأرواح بصمت.

تشير الإحصائيات الصادرة عن أعضاء في الحكومة المحلية ببغداد إلى أن التلوث البيئي في المنطقة تسبب بإصابة العشرات بأمراض مستعصية، وفي مقدمتها "الفشل الكلوي" الذي تسبب بوفاة أكثر من 50 شخصاً حتى الآن.

عدسة "كوردستان 24" غاصت في أزقة المنطقة، حيث التقت بـ "أبو علي"، وهو والد لطفل أصيب بالفشل الكلوي. يتحدث بمرارة قائلاً: "الماء هنا غير صالح للاستخدام البشري، بل وحتى الحيوان لا يستطيع شربه. ناشدنا الجهات المعنية مراراً دون جدوى. ابني اليوم يعاني من فشل كلوي ومشاكل في المثانة نتيجة تلوث المياه واستنشاق الغازات المنبعثة من النفايات المحيطة بنا".

ما يزيد من حدة المأساة هو غياب البنية التحتية الصحية؛ فمنطقة المعامل التي تمتد على مساحة 20 كيلومتراً مربعاً، ويقطنها ما يزيد عن 850 ألف نسمة (وهو عدد يتجاوز تعداد سكان محافظة المثنى بالكامل)، تفتقر لوجود مستشفى واحد يلبي احتياجات السكان المتزايدة.

يقول الناشط المدني في المنطقة، علي كاظم: "نحن أمام كارثة حقيقية. وثقت منظمتنا 53 حالة فشل كلوي مؤخراً، وقمنا بإجراء أكثر من 25 عملية جراحية لمرضى من سكان المنطقة على نفقة المنظمة. الصدمة الكبرى كانت في الشهر الماضي فقط، حيث ودعنا 4 أشخاص فارقوا الحياة بسبب هذا المرض".

ويضيف كاظم مشيراً إلى "بحيرات سوداء" تتوسط الأحياء السكنية: "هذه البحيرة التي تراها ليست طبيعية، بل هي تجمع لمياه الصرف الصحي (المجاري) الخارجة من المنازل، والتي تجمعت هنا لعدم وجود شبكات صرف صحي نظامية، لتتحول إلى بؤرة للأوبئة والسموم".

وفي محاولة لاستيضاح الموقف، سعت "كوردستان 24" للتواصل مع الجهات الصحية المسؤولة للوقوف على أسباب هذا التفشي الخطير للأمراض وتدهور الواقع البيئي، إلا أن جميع تلك المحاولات لم تلقَ استجابة، ليبقى الصمت الرسمي سيد الموقف.

بين مطرقة التلوث وسندان غياب الخدمات، يواجه مئات الآلاف من سكان "المعامل" مصيراً مجهولاً، في وقت يحذر فيه ناشطون من أن استمرار هذا الواقع سيحول المنطقة إلى "مقبرة كبرى" نتيجة الأمراض التي باتت تنهش أجساد الكبار والصغار على حد سواء.

تقرير: سيف علي - كوردستان 24 – بغداد