فرنسا وإقليم كوردستان.. نموذج فريد للصداقة وتحالف صاغته اللحظات المصيرية

أربيل (كوردستان24)- لا تقتصر العلاقات بين أربيل وباريس على الأطر الدبلوماسية والبروتوكولات الرسمية الجافة، بل هي تجسيد لتاريخ طويل من التضامن وتحالف "فولاذي" يضرب بجذوره في أعماق التاريخ والجوانب العاطفية والأمنية. فمن عهد "فرانسوا ميتران" وصولاً إلى "إيمانويل ماكرون"، لعبت الجمهورية الفرنسية دور "بوابة الكورد نحو العالم" والمهندس الأول لحماية الكيان الدستوري لإقليم كوردستان.

في التاريخ المعاصر للشعب الكوردي، المليء بالتحولات الكبرى، لم تلعب عاصمة أوروبية دوراً فعالاً وحاسماً في اللحظات المصيرية كما فعلت باريس. هذه العلاقة التي بدأت تبرز ملامحها منذ مطلع التسعينيات، مرت بمراحل حساسة وشهدت قفزات نوعية وضعت فرنسا في مقدمة حلفاء الإقليم.

يعود حجر الأساس لهذه العلاقة الاستثنائية إلى عهد الرئيس "فرانسوا ميتران". في تلك المرحلة، لعبت السيدة الأولى "دانيال ميتران" – التي نُقشت في وجدان الكورد بلقب "أم الكورد" – دوراً محورياً في إيصال صرخة الشعب الكوردي ومعاناته إلى المجتمع الدولي، خاصة بعد كارثة القصف الكيمياوي في حلبجة وحملات الأنفال.

وجاء التحول التاريخي في ربيع عام 1991 عقب "الهجرة المليونية" الكبرى. حينها، كانت فرنسا بقيادة ميتران المهندس الرئيسي لاستصدار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688، الذي أدى لإنشاء "منطقة حظر الطيران" وفرض خط العرض 36. هذا القرار وفّر الأرضية العملية لولادة أول كيان سياسي وإداري كوردستاني في جنوب كوردستان، ولولا هذه المبادرة الفرنسية الجريئة لكان وجود الإقليم في مهب الريح.

في عام 2014، عندما خيم شبح تنظيم "داعش" الإرهابي على المنطقة ووصلت تهديداته إلى أسوار أربيل، كانت فرنسا أول دولة تستجيب "عملياً وسريعاً" لنداء الاستغاثة من الإقليم.

في 12 أيلول 2014، وفي ذروة المخاطر، زار الرئيس الفرنسي آنذاك "فرانسوا هولاند" أربيل والتقى بالرئيس مسعود بارزاني، في رسالة واضحة للعالم مفادها أن "الكورد ليسوا وحدهم". وكرر هولاند زيارته في عام 2017، متفقداً الخطوط الأمامية للجبهات، حيث أشاد ببطولات قوات البيشمركة.

ولم يكن الدعم سياسياً فحسب، بل قدمت فرنسا أسلحة استراتيجية، من أبرزها صواريخ "ميلان" التي غيرت موازين القوى لصالح البيشمركة، وكان لها الدور الحاسم في إحباط هجمات العجلات المفخخة للتنظيم.

بعد استفتاء الاستقلال عام 2017 وأحداث 16 أكتوبر، واجه إقليم كوردستان حصاراً سياسياً واقتصادياً خانقاً. وفي وقت كانت فيه بغداد ودول الجوار تسعى لـ "خنق وتهميش" أربيل، دخل "إيمانويل ماكرون" على الخط.

بادر ماكرون بشجاعة واستقبل "نيجيرفان بارزاني" (رئيس وزراء الإقليم آنذاك) رسمياً في قصر الإليزيه. هذا الاستقبال كسر "الجمود الدبلوماسي"، وأعاد فتح أبواب العالم أمام أربيل، مما اضطر بغداد للجلوس إلى طاولة الحوار.

 

تتسم العلاقة بين باريس وأربيل بسمات فريدة جعلتها نموذجاً دولياً:

الريادة الدبلوماسية: كانت فرنسا من أوائل الدول التي افتتحت قنصلية عامة لها في أربيل عام 2008، رافعةً بذلك مستوى التمثيل الرسمي.

حماية المكونات: لطالما قدمت باريس نفسها كحامية للمكونات (المسيحيين والإيزيديين)، وترى في إقليم كوردستان "الملاذ الآمن" الوحيد لهم في المنطقة.

الثقل الإقليمي: من خلال "مؤتمرات بغداد للتعاون والشراكة"، أكدت فرنسا دوماً على ضرورة وجود إقليم كوردستان كـ "لاعب أساسي" في المعادلات الإقليمية.

لقد أثبت التاريخ أن باريس ليست مجرد عاصمة أوروبية بالنسبة للكورد، بل هي حليف استراتيجي لا يتخلى عن أصدقائه في "وقت الضيق". إنها قصة نجاح لنوع نادر من العلاقات بين "دولة عظمى" و"كيان فيدرالي"، بنيت على أساس المصالح المشتركة والقيم الإنسانية السامية.