أزمة دواء خانقة في النجف..الديون متراكمة وتعطل الموازنة يهددان حياة آلاف المرضى

اربیل (کوردستان24)- أقرت دائرة صحة النجف الأشرف رسمياً بوجود نقص حاد وشح في الأدوية والعلاجات الضرورية لمجموعة واسعة من الأمراض، وفي مقدمتها الأمراض المزمنة. وعزت الدائرة هذا التراجع الخطير في التجهيز الطبي إلى انعدام التخصيصات المالية الكافية، فضلاً عن تراكم الديون الثقيلة في ذمة المؤسسات الصحية لصالح المجهزين منذ عام 2016، مؤكدة أن توقف إقرار الموازنة العامة حال دون إمكانية إبرام تعاقدات جديدة لتوفير النقص الحاصل.

ويأتي هذا الاعتراف الرسمي في وقت تصاعدت فيه صرخات الاستغاثة من قبل المصابين بداء "تقرح القولون" في المحافظة، الذين وجدوا أنفسهم أمام عقبات كبرى في تأمين أدويتهم الأساسية التي ارتفعت أسعارها بشكل جنوني، ما يضعهم أمام مخاطر صحية ومضاعفات قد تكون مميتة نتيجة عدم قدرتهم على الالتزام بالجرعات العلاجية في مواعيدها المنتظمة.

وروت مريم علي فاضل، وهي إحدى المصابات بهذا المرض، تفاصيل المعاناة، موضحة أن المرضى يعتمدون بشكل أساسي على "العلاج البايولوجي" الذي يتم الحصول عليه من خلال مستشفيات الجهاز الهضمي في المحافظات. وأشارت إلى أن هذا النوع من العلاج يماثل في حساسيته علاجات الأورام السرطانية، إذ يتطلب ظروف نقل وتخزين استثنائية داخل غرف مبردة؛ لأن أي تعرض للحرارة يجعله تالفاً ويفقده أثره العلاجي تماماً.

وأضافت فاضل أن جوهر المشكلة يكمن في التكلفة المالية الباهظة لهذه الأدوية، وحصر عملية استيرادها بوزارة الصحة والمستشفيات الحكومية فقط، وهو ما خلق ثغرة سمحت بتهريبه إلى داخل البلاد بطرق غير رسمية، نظراً لأن المتاجرة به تدر أرباحاً خيالية تقدر بالمليارات.

كما لفتت إلى أن شح الدواء في الأسواق وعدم توفيره بالكميات المطلوبة من قبل الوزارة أدى إلى انفلات أسعاره ووصولها إلى مستويات لا يمكن تحملها، مبينة أن التقديرات تشير إلى وجود ما يتراوح بين 1000 و1500 مصاب بهذا المرض في كل محافظة من محافظات البلاد.

وحول التفاصيل المالية، أوضحت أن العلاج يتنوع بين الحقن (الإبر) والحبوب، حيث يتراوح سعر الحقنة الواحدة ما بين 500 و800 ألف دينار عراقي، مع وجود احتمالات كبيرة بأن تكون هذه الحقن غير أصلية أو تالفة بسبب سوء التخزين والنقل. وأشارت إلى أن احتياج المريض يتفاوت بحسب شدة حالته، فمنهم من يتطلب وضعه الصحي من إبرة واحدة إلى ثلاث إبر شهرياً، فضلاً عن الحاجة للأقراص التي يصل سعر الشريط الواحد منها إلى 13 ألف دينار، ما يشكل ضغطاً مالياً هائلاً على المرضى وذويهم.

من جانبه، أكد المتحدث الإعلامي لدائرة صحة النجف، ماهر العبودي، أن الأسباب الحقيقية وراء هذا الشح تعود مباشرة إلى غياب الغطاء المالي، مبيناً أن مكاتب الأدوية والمذاخر العلمية ترفض في الوقت الحالي تزويد المستشفيات الحكومية بأي مستلزمات بسبب الديون المترتبة على الدائرة منذ عام 2016 وحتى الآن.

وأوضح العبودي أن تأمين هذه الأموال مرتبط حصراً بإقرار الموازنة العامة المتعطلة منذ أربع سنوات، وهو ما أدى إلى تدهور الوضع الدوائي ليس فقط لمرضى تقرح القولون، بل لجميع المصابين بالأمراض المزمنة والخطيرة، بما في ذلك مرضى الفشل الكلوي، والقلب، والأورام السرطانية، والثلاسيميا.

واختتم العبودي تصريحه بالإشارة إلى أن ملف توفير هذه العلاجات محصور سيادياً بوزارة الصحة، وأن كافة عمليات الشراء متوقفة تماماً في الوقت الحالي، إذ لا تمتلك الوزارة الصلاحيات القانونية أو المالية لتوقيع أي عقود توريد جديدة في ظل الوضع الراهن.