رؤية إلبريدج كولبي لـ "ناتو 3.0" من التبعية إلى الشراكة الاستراتيجية

إلبريدج كولبي
إلبريدج كولبي

أربيل (كوردستان 24) – يبرز إلبريدج كولبي، كبير الاستراتيجيين العسكريين المقرب من إدارة ترامب، كأحد أهم المهندسين لإعادة صياغة دور حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العصر الحديث. ويدعو كولبي إلى تحويل الحلف من كيان يعتمد بشكل كلي على المظلة العسكرية الأمريكية إلى "شراكة حقيقية"، تضطلع فيها الدول الأوروبية وكندا وبريطانيا بالمسؤولية القيادية في الدفاع التقليدي.

نحو "ناتو 3.0" والعودة إلى الجذور

في تصريحاته قبيل اجتماع وزراء دفاع الحلف في بروكسل، طرح كولبي مفهوم "الناتو 3.0"، وهو تصور يهدف إلى إعادة الحلف لغايته الأصلية التي صُمم من أجلها إبان الحرب الباردة، ولكن برؤية تتناسب مع تحديات عام 2025 وما بعدها. ويرى كولبي أن الوقت قد حان لتتوقف أوروبا عن كونها "تابعاً أمنياً"، وتتحول إلى شريك قادر على قيادة الدفاع التقليدي؛ ما يسمح للولايات المتحدة بإعادة توجيه مواردها الاستراتيجية نحو تحديات أخرى، وعلى رأسها التنافس مع الصين.

تحدي الإنفاق الدفاعي و"حيلة عصا الهوكي"

على الرغم من استجابة الحلفاء لدعوات زيادة الإنفاق الدفاعي لتصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، يبدي كولبي صرامة تجاه الجداول الزمنية؛ فهو يرفض بشدة ما يسمى بـ "حيلة عصا الهوكي المحاسبية"، وهي استراتيجية تتبعها بعض الدول الأوروبية لتأجيل الزيادات الحقيقية في الإنفاق إلى العقد المقبل لتجنب ضغوط الميزانية الحالية. ويحذر كولبي من أن واشنطن لن تتسامح مع هذا التسويف، مطالباً بزيادة فورية في "القدرات العسكرية الفتاكة" قبل قمة أنقرة المرتقبة في يوليو/تموز المقبل.

تحول في الموقف تجاه القوات الأمريكية في أوروبا

شهدت مواقف كولبي نوعاً من البراغماتية مؤخراً، رغم دعواته السابقة لإعادة توجيه القوات الأمريكية بعيداً عن القارة العجوز. ويعود ذلك إلى الدور الفعال الذي لعبه الحلفاء الأوروبيون في دعم العمليات العسكرية الأمريكية، مثل تزويد الطائرات بالوقود جواً خلال مهام سابقة. وبناءً على ذلك، طمأنت واشنطن حلفاءها بأن القوات الأمريكية في ألمانيا وإيطاليا والجبهة الشرقية ستبقى في مواقعها إلى حد كبير، مع احتمالية إجراء تخفيضات طفيفة في أعداد القوات التي نُشرت عقب الغزو الروسي لأوكرانيا (والتي تتراوح ما بين 80 إلى 90 ألف جندي).

كولبي ومدرسة "مؤيدي الأولويات"

يُصنف كولبي ضمن تيار "مؤيدي الأولويات" (Prioritizers) في واشنطن، وهو تيار يقع في منطقة وسطى بين "دعاة الهيمنة المطلقة" و"دعاة ضبط النفس" (المقيدين) الذين يدعون للانكفاء الداخلي. يرى هذا التيار أن أمريكا بحاجة للناتو، ولكن بشروط جديدة تضمن عدم استنزاف الموارد الأمريكية في مسارح ثانوية على حساب المسرح الآسيوي. وقد انعكس هذا الفكر في معارضته السابقة لتدفق الأسلحة غير المحدود لأوكرانيا، معتبراً أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لردع الصين.

نهاية عصر الازدهار تحت المظلة المجانية

يتزامن حراك كولبي مع تحذيرات التقرير السنوي لمؤتمر ميونيخ للأمن، الذي يشير إلى أن النظام العالمي لسياسات ما بعد الحرب الباردة يتعرض لـ "تدمير شامل". ويؤكد التقرير أن العصر الذي كانت تنعم فيه أوروبا بالرفاهية والتكامل الاقتصادي تحت الحماية الأمريكية المجانية قد انتهى بلا رجعة.

بناءً على ما تقدم، يمثل كولبي صوتاً واقعياً وحازماً في آن واحد؛ فهو الشخصية التي يمكن للأوروبيين التفاوض معها، لكنه يحمل في الوقت ذاته رسالة واضحة: "على أوروبا أن تسلح نفسها وبسرعة، لأن زمن الاعتماد المطلق على واشنطن قد ولى".

المصدر: جريدة التايمز البريطانية.