خانقين في عين العاصفة: شبح "التعريب الأبيض" يعود لابتلاع جغرافية كوردستان

اربيل (كوردستان24) - على مر التاريخ، كانت جغرافية المكان هي الهوية والروح. ولكن ماذا يحدث عندما تُنتزع هذه الروح بقرارات سياسية؟ بعد مرور عقدين من الزمن، وبدلاً من إنصاف المناطق المستقطعة وتطبيق المادة 140، يطل شبح التغيير الديموغرافي برأسه من جديد. "خانقين"، مدينة التعايش والتاريخ الكوردي، تجد نفسها اليوم محاصرة بين فكي التهميش وقرارات "التعريب الأبيض" التي تقضم أطرافها وتخنق هويتها. في هذه الحلقة، نفتح ملفاً شائكاً وحساساً: من يسعى لتجريد خانقين من ثقلها؟ ولماذا الآن؟

المقدمة (ژینو محمد):

أهلاً بكم مشاهدينا الكرام في هذه التغطية المباشرة عبر شاشة كوردستان 24.

نفتح الليلة ملفاً في غاية الحساسية، يتعلق بالتغيير الديموغرافي في المناطق الكوردستانية. بعد 20 عاماً، لم يتم تنفيذ المادة 140 بشكل جذري، بل على العكس، منذ ما بعد عام 2017، بدأت موجة جديدة من التعريب الإداري والزراعي تطفو على السطح.

السؤال المطروح اليوم: لماذا تسعى الحكومة العراقية وعبر أساليب مختلفة إلى المضي قدماً في سياسة التعريب وتغيير ديموغرافية هذه المناطق؟ هل الهدف هو تقديم الخدمات، أم أن هناك غايات سياسية بحتة ومحاولات لطمس الهوية كما يرى أهالي تلك المناطق؟

لمناقشة هذا الملف، أستضيف معي ضيفين من مدينة خانقين:

السيد أكبر حيدر: مسؤول الفرع الخامس عشر للحزب الديمقراطي الكوردستاني في خانقين.

السيد راژان ماجد: ناشط مدني وصحفي من خانقين.

أهلاً بكما. أبدأ معك أستاذ أكبر، حدثنا عن القرار الأخير المتعلق بفصل ناحية "جلولاء/گولالە" عن خانقين.. من أين نبع هذا القرار؟ وما هو الهدف منه؟

أكبر حيدر (مسؤول الفرع 15 للديمقراطي الكوردستاني):

أهلاً بكم وبجميع مشاهدي كوردستان 24.

بصراحة، هذا القرار هو قرار سياسي بامتياز. نحن نقرأه كقرار يهدف للسيطرة وتغيير المعالم وليس لخدمة المواطنين كما يُشاع. كما تم سابقاً تحويل ناحية "قرة تبة" إلى قضاء، هناك اليوم جهات وأشخاص، وبسبب مصالحهم الشخصية والسياسية، يصرون على تحويل "جلولاء" أيضاً إلى قضاء.

بعد 20 عاماً على المادة 140… خانقين بين التقزيم والتهميش

الهدف الرئيسي من كل هذا هو "تقزيم" خانقين وتهميش دورها. هم يسعون لتقليل مساحتها وثقلها السكاني والإداري لأنهم يدركون أن الأغلبية في خانقين هم من الكورد. هناك شخصيات عربية وسياسيون، مثل السيد محمد تميم (وزير التخطيط) وكتلة الحلبوسي، تقف وراء هذه القرارات بشكل مباشر. الغاية هي محاصرة الكورد في خانقين، خاصة بعد أحداث 16 أكتوبر 2017، حيث تشتت الكورد هناك وباتوا يعانون من فراغ أمني وإداري واضح.

المقدمة (ژینو محمد):

السید راژان، بصفتك ناشطاً وصحفياً وتعيش نبض الشارع، كيف يتلقى المواطنون في خانقين هذه القرارات؟ ما هو حجم الخطر الذي يستشعرونه؟

راژان ماجد (ناشط وصحفي): شكراً لكم وللقناة. بصراحة، نحن في خانقين نشعر اليوم وكأننا "أيتام". المواطن الخانقيني يشعر باختناق حقيقي وبأن الجغرافيا تُسحب من تحت قدميه. تخيلي معي خريطة خانقين؛ من جهة كرميان، ومن جهة مندلي، ومن جهة شهربان وقرة تبة، نحن نتعرض لعملية "بتر" جغرافي. الأمر لا يتعلق فقط بتصغير مساحة الخريطة، بل هو تهديد للوجود الكوردي، للغة الكوردية، وللثقافة.

فصل جلولاء عن خانقين… قرار إداري أم خطوة سياسية؟

نحن اليوم نظمنا وقفة احتجاجية، لأننا نرى أعداء الكورد، وأولئك الذين يحملون عقلية النظام السابق الشوفينية، يمررون قراراتهم ويخططون لإنهاء الوجود الكوردي في هذه المناطق، بينما نحن نقف مكتوفي الأيدي!

المقدمة (ژینو محمد): تحدثت عن التظاهرة والوقفة الاحتجاجية التي قمتم بها اليوم. لمن وجهتم رسائلكم ومطالبكم؟ هل للحكومة الاتحادية في بغداد أم لحكومة إقليم كوردستان؟

راژان ماجد: رسالتنا لم تكن موجهة لحكومة بغداد، فنحن فاقدون للأمل فيها. منذ عقود ونحن نطالب بغداد بمشاريع خدمية (كمشروع مياه) ولم نحصل على شيء، بينما في المقابل يصدرون مراسيم جمهورية بين ليلة وضحاها لتقسيم مناطقنا.

أهالي خانقين: الجغرافيا تُسحب من تحت أقدامنا

مطالبنا ورسائلنا وجهناها اليوم بكل وضوح إلى القيادة الكوردية: إلى السيد مسعود بارزاني، والسيد نيجيرفان بارزاني، والسيد مسرور بارزاني، والسيد بافل طالباني. نحن نناشدهم للتدخل وإنقاذ خانقين. لقد سئمنا من الوعود، وإذا لم تتدخل القيادة الكوردية، فإن وضع خانقين سيصبح كارثياً، وسنذوب ديموغرافياً.

المقدمة (ژینو محمد): أعود إليك أستاذ أكبر.. هناك من يقول من الشارع إن الأحزاب الكوردية مقصرة، وأنها لم تقدم الخدمات الكافية لخانقين، مما جعل المواطن ناقماً. ما هو ردك؟

أكبر حيدر: أنا أتفق مع معاناة الشارع، ولكن يجب توضيح حقيقة مهمة. نحن كحزب ديمقراطي كوردستاني، ومنذ عام 2003، لا نمتلك السلطة الإدارية والتنفيذية في خانقين. السلطة بيد الحكومة الاتحادية في بغداد.

من مدينة تعايش إلى ساحة صراع ديموغرافي… ماذا يحدث في خانقين؟

نحن نطالب دائماً بتقديم الخدمات، لكن الحكومة الاتحادية تتعمد إهمال خانقين وحرمانها من المشاريع. لماذا؟ لأنهم يدركون أن الأغلبية الساحقة هنا هي كوردية، وهم يعلمون أن أصوات هذه الجماهير تذهب للأحزاب الكوردستانية. لذلك، يقومون بمعاقبة المدينة خدمياً وإدارياً لمحاولة إجبار الكورد على تركها أو إضعاف ولائهم.

المقدمة (ژینو محمد):

السيد راژان، دعنا نتحدث بشفافية أعمق. هل ما يحدث هو مجرد إهمال إداري، أم أنه "تعريب" ممنهج كما تصفونه بـ "التعريب الأبيض"؟ وكيف يتم ذلك على أرض الواقع؟

راژان ماجد: إنه تعريب ممنهج بامتياز! أقولها بمرارة، خانقين كانت الضحية الأكبر لأحداث 16 أكتوبر.

دعيني أشرح لكِ كيف يتم هذا "التعريب الأبيض": أثناء حرب داعش، نزحت آلاف العوائل العربية من الفلوجة ومناطق أخرى وسكنوا في خانقين وجلولاء. انتهت الحرب، لكنهم لم يعودوا! بل استقروا هنا.

خانقين بعد 16 أكتوبر… هل بدأ “البتر الجغرافي”؟

الآن، هناك عملية شراء واسعة وممنهجة لعقارات وأراضي الكورد. المواطن الكوردي هنا يعاني من أزمة مالية خانقة، بينما يأتي شخص عربي من وسط أو جنوب العراق، وبدعم مالي كبير (يستلم رواتب ضخمة وتسهيلات)، ويقوم بشراء العقارات بأسعار خيالية. المواطن الكوردي يُضطر للبيع من أجل لقمة العيش، فيتحول المشتري العربي إلى مالك للأرض، ونحن نتحول إلى أقلية!

أين التعليم الكوردي؟ المدارس الكوردية هنا تكاد تختفي، نسبة الطلاب الكورد تراجعت بشكل مخيف. حتى رموزنا الوطنية، مثل تمثال الشهيدة "ليلى قاسم"، لا يحظى بالاهتمام اللائق. هناك طمس متعمد لهويتنا، ويجب على القيادة في إقليم كوردستان أن تتدارك الموقف قبل فوات الأوان.

احتجاجات في خانقين… ومطالب بتدخل القيادة الكوردية

أكبر حيدر (مداخلاً):

أؤيد ما قاله السید راژان تماماً. في السابق، كانت هناك مجالس إدارية محلية تضم أغلبية كوردية تدافع عن حقوق المنطقة. اليوم، تم تهميش الصوت الكوردي بالكامل في التعيينات والمناصب الإدارية لصالح مكونات أخرى. إذا لم تتوحد الكلمة الكوردية والأحزاب الكوردستانية في بغداد لمواجهة هذا المخطط، فإننا سنخسر ما تبقى من هذه المناطق استراتيجياً وديموغرافياً.

المقدمة (ژینو محمد): الصورة وضحت تماماً، ويبدو أن صرخة أهالي خانقين هي جرس إنذار حقيقي يستوجب وقفة جادة.

في الختام، لا يسعني إلا أن أشكر ضيفيَّ من خانقين: السيد أكبر حيدر، مسؤول الفرع 15 للحزب الديمقراطي الكوردستاني، والسيد راژان ماجد، الناشط المدني والصحفي. شكراً جزيلاً لكما على هذه الصراحةة والمشاركة.

ولكم مشاهدينا، جزيل الشكر على طيب المتابعة.. إلى اللقاء في تغطيات قادمة.