النفط الإيراني ومضيق هرمز.. "سلاح الردع" الذي يهدد الاقتصاد العالمي ويربك حسابات واشنطن
أربيل (كوردستان 24)- على الرغم من عقود من العقوبات الأمريكية والحظر الاقتصادي الخانق، لا تزال إيران تحتفظ بمكانتها ضمن قائمة أكبر عشر دول منتجة للنفط في العالم. واليوم، وفي ظل التوترات العسكرية المتصاعدة والضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، يعود "الذهب الأسود" الإيراني إلى واجهة الأحداث، ليس فقط كشريان حياة لاقتصاد طهران، بل كـ "سلاح ردع" يمتلك القدرة على إرباك أسواق الطاقة وإشعال التضخم العالمي.
تاريخياً، كانت صناعة النفط الإيرانية قوة لا يُستهان بها. يوضح آرنه لومان راسموسن، كبير المحللين في شركة "غلوبال ريسك مانجمنت"، أنه "في العام 1974، كانت إيران ثالث أكبر منتج في العالم بعد الولايات المتحدة والسعودية، ومتقدمة على روسيا، بإنتاج يبلغ نحو 6 ملايين برميل يومياً".
اليوم، تراجع هذا الرقم إلى نحو 3.1 ملايين برميل يومياً وفقاً لبيانات (أوبك)، متأثراً بعودة سياسة "الضغوط القصوى" التي أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفعيلها مطلع عام 2025. ورغم هذا التراجع الملحوظ، لا يزال مستوى الإنتاج يمنح طهران وزناً استراتيجياً، مدعوماً بامتلاكها ثالث أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة عالمياً، وبنية تحتية تفوق بكثير نظيراتها في دول خاضعة للعقوبات مثل فنزويلا.
مضيق هرمز.. "خنق" شريان الطاقة العالمي
يبقى الخطر الأكبر الذي يثير ذعر العواصم الغربية وأسواق المال هو التهديد الإيراني المستمر بإغلاق "مضيق هرمز" في حال تعرضها لهجوم عسكري شامل.
هذا المضيق الضيق – الذي لا يتجاوز عرضه 50 كيلومتراً وعمقه 60 متراً – يُعد الممر المائي الأهم عالمياً. ووفقاً لهيئة إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، عبر المضيق خلال عام 2024 نحو 20 مليون برميل من النفط الخام يومياً، وهو ما يمثل 20% من الاستهلاك العالمي.
ويحذر "راسموسن" من أن "أدنى شك في أمن المضيق سيعرض السفن لصعوبات بالغة في العبور بسبب الارتفاع الحاد والمرتقب في تكاليف التأمين".
وما يزيد الطين بلة، أن البدائل شبه معدومة. وبحسب أولي هانسن، المحلل في "ساكسو بنك"، فإن "السعودية والإمارات فقط تملكان بنية تحتية بديلة لنقل النفط بعيداً عن هرمز، ولكن طاقتها القصوى لا تتجاوز 2.6 مليون برميل يومياً"، وهو رقم لا يعوض حجم الإمدادات المهددة.
كلفة زهيدة و"طوق نجاة" صيني
ما يمنح النفط الإيراني مرونة في وجه العقوبات هو كلفة استخراجه شديدة الانخفاض، والتي لا تتجاوز 10 دولارات للبرميل (مقارنة بـ 40 إلى 60 دولاراً لدى كبار المنتجين في أمريكا الشمالية). هذه الميزة تجعله مربحاً للغاية حتى مع اضطرار طهران لبيعه بأسعار مخفضة.
وفي ظل إغلاق الأسواق الغربية، تظل الصين "طوق النجاة" الرئيسي لطهران. وتشير البيانات إلى أن إيران تصدر ما بين 1.3 و1.5 مليون برميل يومياً، يتجه أكثر من 80% منها إلى مصافٍ صينية مستقلة، تتجاهل العقوبات الأمريكية وتستفيد من الأسعار التفضيلية.
قلق خليجي وتداعيات على "البيت الأبيض"
لا تتوقف تداعيات التصعيد عند حدود الاقتصاد، بل تمتد لتثير مخاوف أمنية عميقة لدى دول الجوار، وخاصة دول الخليج العربية التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية.
ويشير بيار رازو، مدير الدراسات في "المؤسسة المتوسطية للدراسات الاستراتيجية"، إلى أن هذه الدول "تدرك تماماً أنها عرضة للخطر، فالإيرانيون يمتلكون ترسانة من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى قادرة على ضرب نقاط حيوية كمنشآت النفط ومحطات تحلية المياه وتوليد الكهرباء".
وعلى الضفة الأخرى من المحيط، يراقب البيت الأبيض الوضع بحذر شديد. فأي تصعيد يؤدي إلى ملامسة النفط حاجز الـ 100 دولار للبرميل (وهو مستوى لم يُسجل منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022) سيؤدي حتماً إلى عودة التضخم الجامح.
هذا السيناريو الاقتصادي الكارثي يمثل تهديداً سياسياً مباشراً للرئيس دونالد ترامب، وقد يضعف موقفه بشدة في انتخابات التجديد النصفي أواخر العام الحالي، خاصة بعد تعهداته المتكررة للناخبين الأمريكيين بخفض أسعار الوقود والطاقة.
المصدر : وكالة الصحافة الفرنسية