دول الخليج تختار ضبط النفس لتفادي الانجرار إلى مشاركة مباشرة في حرب الشرق الأوسط
أربيل (كوردستان24)- تبدو دول الخليج، رغم تَعرُّضها لِوابل من الصواريخ والطائرات المسيَّرة الإيرانية، حريصة على انتهاج موقف دفاعي بَحت حيال الجمهورية الإسلامية، سعيا منها إلى تَفادي التورّط المباشر في الحرب الأميركية الإسرائيلية.
ومع أن هذه الدول كانت تُعدّ دائما واحات آمنة في منطقة الشرق الأوسط الشديدة الاضطراب، فإن تمدد الحرب على إيران إلى مختلف أنحاء المنطقة طال هذه البلدان الغنية المتحالفة مع الولايات المتحدة، من خلال ضربات استهدفت بنيتها التحتية الحيوية وقواعد عسكرية فيها ومنشآت نفطية.
وأصدرت دول الخليج بيانات أكدت فيها أنها لا تشارك في العمليات ضد إيران، وأن أراضيها لا تُستخدم منطلقا لشنّ الغارات.
ويرجّح محللون أن تكون الدول الخليجية كلها راغبة في النأي بنفسها عن الحرب، والبقاء خارجها، لاعتبارها أن تكلفة الانخراط المباشر فيها ستكون أعلى بكثير من تكلفة ضبط النفس.
ولكن في الواقع، تتعرض هذه الدول لضغوط تهدف إلى دفعها لدخول الحرب.
- هل ستدخل الحرب؟ -
يشكل استهداف إيران مواقع في بلدان الخليج تحديا كبيرا متعدد الأوجه لهذه الدول.
وتقول المحللة المتخصصة في شؤون أمن الخليج آنا جاكوبز لوكالة فرانس برس "إنها تشكل تحديا لاقتصادات هذه الدول، وتشكّل تحديا لمجتمعاتها، وتشكّل تحديا لبناها التحتيّة الحيوية، وتشكّل تحديا لأنظمتها الدفاعية".
فعلى سبيل المثال، ألحقت طائرة مسيّرة إيرانية قبل أيام أضرارا بمحطة لتحلية المياه في البحرين، وهي من المنشآت البالغة الأهمية لاقتصاد هذا البلد ولإمدادات مياه الشفة فيها.
وتضيف جاكوبز "لا يزال من الممكن وصف الموقف الحالي لدول الخليج إزاء الضربات الإيرانية بأنه دفاعي". وترى أن التورط في الحرب "هو السيناريو الكابوسي بالنسبة لهم".
واتهم رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إيران الخميس بأنها "تسعى إلى إلحاق الضرر بجيرانها وجرّهم إلى حرب ليست حربهم".
كذلك أكدت الإمارات العربية المتحدة الاثنين أنها "لن تشارك في أي هجمات ضد إيران" كما نفت أن تكون قاعدة لانطلاق الهجمات عليها.
وقال مندوب الإمارات الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف جمال المشرخ إن "الإمارات لن تشارك في أيّ هجوم من أراضيها ضد إيران"، و"لا تسعى إلى أن تُستدرج إلى أي نزاع أو تصعيد".
وترى جاكوبز أن دول الخليج ستسعى "بقدر ما أمكنها... إلى البقاء خارج هذه الحرب" رغم أن الكثير من الخطوط الحمر تعرضت للتجاوز.
- ماذا عن الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة؟ -
ويرى الخبير في الشؤون الأمنية أندرياس كريغ من جامعة "كينغز كولدج" اللندنية أن المقاربة التي تعتمدها الدول الخليجية قائمة على "ضبط النفس والصمود".
ويعتبر كريغ أن دول الخليج التي تستضيف قواعد أميركية "لا تريد أن تُجَرَّ للمشاركة في عمليات حربية إسرائيلية، إذ إن مكاسبها العسكرية من مشاركتها علنا في العمليات الهجومية ستكون محدودة، وفقا لحساباتها، في حين أن الثمن السياسي والاقتصادي الذي ستتكبده باهظ جدا".
وما يعزز صوابية هذه الحسابات أن المواقع المستهدفة في السعودية والإمارات مثلا لا تقتصر على المنشآت النفطية، بل أن الخطر محدق أيضا بمشاريع التنويع الاقتصادي الهادفة إلى جذب السياح ورؤوس الأموال.
وتهدد الحرب كذلك البنية الأمنية التي تربط دول الخليج بالولايات المتحدة منذ عقود.
فعلاقة السعودية بالولايات المتحدة قامت تاريخيا على معادلة "النفط في مقابل الأمن"، إذ كانت الرياض تضمن إمدادات نفطية وفيرة، فيما كانت واشنطن توفّر الدعم العسكري، ومن أبرز وجوهه مبيعات أسلحة ضخمة للمملكة التي تُشكّل قوة إقليمية كبرى.
لكن الضربات الجوية أظهرت محدودية فاعلية هذه الشراكة.
ويتزايد الاستياء من الولايات المتحدة في الخليج، إذ شنّ رجل الأعمال الملياردير خلف الحبتور هجوماعلى واشنطن في منشورَين حُذفا لاحقا، متهما إياها بجرّ المنطقة إلى الحرب.
وفي المقابل، ترفع واشنطن منسوب الضغط، ومن تجلياته مثلا الانتقاد الذي وجّهه للسعودية هذا الأسبوع حليف الرئيس الأميركي دونالد ترامب السناتور ليندسي غراهام، المعروف بتشدده في قضايا السياسة الخارجية.
وكتب غراهام على منصة إكس أن "المملكة ترفض استخدام قدرات جيشها ضمن جهد يهدف إلى إنهاء... النظام الإيراني". وأمل "في أن يتغير هذا قريبا، وإذا لم يحصل ذلك، فستترتّب عواقب".
لكنّ السعودية، بصفتها أرض الحرمين الشريفين ومن الدول السُنية الكبيرة في العالم، ترى في الواقع أن لا مصلحة لها في قصف دولة مسلمة أخرى ضمن عملية تقودها إسرائيل التي لا تربطها بها علاقات دبلوماسية.
- ماذا سيحصل الآن؟ -
ويلاحظ كريغ أن "الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة تخضع بوضوح لإعادة نظر، ولكن لن يتم التخلي عنها".
ويشرح أن "بعض المسؤولين في الخليج، رغم إدراكهم أن لا غنى عن الشراكة مع الولايات المتحدة، باتوا يرون أنها مشروطة ماديا... ويحتاجون تاليا إلى قيمة ملموسة أكثر من هذه الشراكة".
ويعتبر كريغ أن الخيارات الأخرى محدودة إذ إن دول الخليج "لا ترى في روسيا أو الصين بديلا من المظلّة الأمنية الأميركية".
ويتوقع جاكوبز أن دول الخليج "ستتذكر كل ما حدث" عند انتهاء الحرب.
ويضيف "ستتذكر كيف تصرّفت إيران وكيف ردّت، لكنها ستتذكر أيضا كيف وضعتها الولايات المتحدة في موقع شديد الصعوبة".
AFP