سيادة العراق في مهب الريح: هل أصبحت الدولة رهينة للمليشيات والتوافقات الخارجية؟
اربيل (كوردستان24) - في ظل تصاعد التوترات الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يجد العراق نفسه في قلب العاصفة. وبينما يحاول إقليم كوردستان النأي بنفسه عن هذه الصراعات، تعرضت أراضيه وقياداته لأكثر من 400 هجوم من قبل فصائل مسلحة. في هذا اللقاء الخاص، تستضيف "غرفة الأخبار" في مؤسسة كوردستان24، السياسي العراقي مثال الآلوسي، ليفتح ملف السيادة المفقودة، ودور المليشيات في تقويض الدولة، ومدى تأثير التوافقات "الأمريكية - الإيرانية" على صناعة القرار في بغداد.
نص الحوار:
كوردستان24: طاب مساؤكم بكل خير. كما تعلمون جميعاً، منذ بداية هذا الصراع، الحرب الدائرة بين إيران وأمريكا وإسرائيل، لم يكن الكرد كشعب كردستان، ولا إقليم كردستان، طرفاً في هذه الحرب بأي شكل من الأشكال، بل كان إقليم كردستان هو الضحية الكبرى لهذا الوضع المتشنج. مع الأسف، استُهدف إقليم كردستان أكثر من 400 مرة من قبل المليشيات المسلحة العراقية. وآخر هذه الاستهدافات طالت مقرات الرئيس بارزاني، وكذلك منزل رئيس إقليم كردستان من قبل تلك المليشيات. ما هو السبب وراء ذلك؟ هل الكرد يمثلون عبئاً على العراق، أم أن هذه المليشيات هي التي تزعزع استقرار العراق وتخلق الأزمات؟ ضيفنا الليلة لمناقشة هذا الموضوع هو السياسي العراقي المعروف السيد مثال الآلوسي، الذي ينضم إلينا مباشرة في استوديو الأخبار. سيد آلوسي، طاب مساؤك وشكراً لتواجدك معنا مرة أخرى. أنت معروف بصراحتك المعهودة، ونأمل أن تجيبنا بهذه الصراحة على تساؤلاتنا الليلة لتسليط الضوء على هذا الوضع المعقد. كما تعلم، بالأمس جرى هجوم على مقرات الرئيس بارزاني ومنزل رئيس الإقليم من قبل المليشيات العراقية، كيف تقرأ هذا الأمر؟ خاصة وأن رئيس الإقليم يمتلك مكانة سياسية ودبلوماسية مرموقة ليس فقط في كردستان والعراق بل في المنطقة والعالم.
سيادة مفقودة وصفقات مشبوهة
مثال الآلوسي: مساء الخير عليكم، وأتمنى لكوردستان ولأمن وسلامة كردستان كل الخير. هذه ليست المرة الأولى التي تُستهدف فيها القيادة الكوردية. لقد رأينا ذلك في عهد المغفور له الملا مصطفى بارزاني عام 1971، ولكن حينها كان هناك نظام دكتاتوري قمعي هو من يقوم بذلك. حتى الرئيس مسعود بارزاني تعرض لمحاولة اغتيال خارج العراق في فيينا، وجرت محاولات عديدة غيرها. في الأيام القليلة الماضية، ومع الأسف، في ظل هذا الصراع، استُهدفت مقرات أخينا العزيز الرئيس مسعود بارزاني أكثر من مرة. ولكن كما نعلم، فإن أخينا العزيز الرئيس مسعود بارزاني يلتزم الصمت ويحاول احتواء الأمور بحكمة ودراية من أجل الكورد، ومن أجل السلام، ومن أجل العراق، لكي لا ينجروا إلى ردود الأفعال. ولكن من المؤلم جداً أن أرى في زمن "الدولة الديمقراطية" استمرار هذه الهجمات. قبلنا سقط الكثير من الشهداء والضحايا، سواء من العرب أو البيشمركة. كنا نحلم بعراق ديمقراطي، لكنني لا أستطيع أن أصدق أننا في زمن نتحدث فيه عن الديمقراطية والانتخابات والدستور، وهذا الدستور الذي كتبناه بأنفسنا يُنتهك بميكانيكيات بشعة وإرهابية. تُستهدف أربيل، دهوك، السليمانية، جرت عمليات إرهابية في كل هذه المناطق. منذ شهر والوضع على هذا المنوال، والذريعة هي استهداف القواعد الأمريكية. يا إخوتي الأعزاء، أنتم (المسؤولون) نتاج العلاقات الأمريكية الإيرانية، أنتم نتاج سياسات أوباما والسفيرة رومانوسكي وبايدن. لقد تجاوزتم كل الحدود. دعوني أقول أيضاً: العرب لا يعادون الكورد، والكورد لا يعادون العرب، والإنسان لا يعادي الإنسان. ما أقوله مع الأسف، وأنا أطالب بالسلام ولا أطالب بالحرب، أريد السلام بين إيران وإسرائيل وأمريكا وكل المنطقة، ولكن في الواقع الحالي، من بيده السلاح ويقوم بالهجوم بالصواريخ والمسيرات، هؤلاء هم "مرتزقة" في هذه الحروب. أعلم أن زملائنا في بغداد قد يغضبون مني، لكن لم يكن لديهم شيء سابقاً، والآن يمتلكون السلاح ويهاجمون ويحتاجون إلى ذرائع لربط أنفسهم بالأجندات الخارجية.
"نحن ضحايا صراعات الكبار": الآلوسي يحذر من حرب أهلية ويدعو لحماية إقليم كوردستان من "تغول" الفصائل.
كوردستان24: السيد آلوسي، بالأمس قالوا في بغداد إنهم سيشكلون "لجنة تحقيق"، وأجروا اتصالات هاتفية مع الرئيس بارزاني ورئيس الإقليم. برأيك، هل تُحل هذه المشاكل عبر اللجان؟
مثال الآلوسي: أتمنى لو كانت لدينا لجان قادرة على حل المشاكل. لكن الوزارات والوزراء والقوات الأمنية ورئيس الوزراء يخشون المليشيات. من هو عضو اللجنة الذي سيجرؤ على التحقيق في قضية كبرى كهذه؟ لنعترف أمام الجميع، أنا (كمواطن) قد أمتلك قفصاً للدجاج أو الحيوانات، فهل أنا من سيواجه الصواريخ والمسيرات؟ لذا فإن اللجنة يجب أن تُجري تحقيقاً، وهذا أمر مخجل، لأن الموضوع ليس مجرد حادث عارض، بل هو تكرار يومي. تُستهدف البصرة، تُستهدف المنشآت النفطية، تُستهدف الجامعات، يُستهدف الإنسان، تُستهدف الميزانية، وتُستهدف كوردستان. لماذا؟ هل تريدون حرباً؟ هل تريدون حرباً أهلية؟ دعوني أقول لكم سراً، كشخص تقدم به العمر وشاب رأسه، لا توجد في العراق "مؤسسة" تستطيع أن تخوض حرباً. نحن لا نريد الحرب وهي ليست قادرة عليها. أحذر الجميع، لو أراد الرئيس بارزاني والسيد مسرور بارزاني والأمن والبيشمركة، لكان بإمكانهم تنظيف مناطق الموصل وكركوك وديالى، لكنهم أكثر حكمة ودراية من أجل حماية وحدة العراق وأمنه واستقراره.
كوردستان24: السيد آلوسي، ما فهمته من كلامك هو تساؤلي التالي: لماذا لا تستطيع الحكومة العراقية السيطرة على هذه المليشيات؟ هل هي غير قادرة أم أنها على علم وتواطؤ؟
مثال الآلوسي: لا، الحكومة قادرة. لدينا جيش عراقي، وقوات مسلحة عراقية عددها يتجاوز المليون منتسب، لدينا ضباط وقوات أمنية وعسكرية واستخبارات وشرطة. أنا لا أشك في تلك القوات. ولكن ما هو مفقود هو "الإرادة السياسية". أخشى أن أقول، وأتمنى أن أكون مخطئاً، أن هؤلاء المسؤولين يشعرون أن واجبهم هو "حماية المليشيات" وليس كشفها أو حماية المواطنين منها. هذه هي المشكلة.
يجب الذهاب إلى بيوت "الجادرية" لنرى من الذي يدير مجلس النواب والحكومة والوزارات والأحزاب
كوردستان24: عفواً السيد آلوسي، يعني هل العراق يُدار من قبل المليشيات أم الحكومة؟
مثال الآلوسي: العراق ربما يُدار من قبل "مكتب" صغير أو شخصية أمنية إيرانية تجلس في مكان مريح. لذا يجب أن نذهب إلى بيوت "الجادرية" لنرى من الذي يدير مجلس النواب والحكومة والوزارات والأحزاب. لا أعلم، ولكن ما أعلمه وأستطيع قوله هو أن هذا أمر مخجل. خلال اليومين الماضيين سمعت الكثير من المسؤولين، من منظمة بدر والحكيم ورئيس الوزراء وقادة السنة، الجميع يستنكر. ولكن من هو المجرم في هذه الحالة؟ المواطن هو المجرم؟ أنا المجرم لأنني أربي الدجاج في مزرعتي؟ أم المجرم هو من يسكن في المنطقة الخضراء ببغداد ويدير الأمور؟
كوردستان24: يعني السيد آلوسي، العراق يُدار من الخارج؟ لا يدير نفسه بنفسه؟
مثال الآلوسي: نعم، نعم. عندما تُشكل أي حكومة أو يتم ترشيح أي شخص لرئاستها منذ عهد أوباما وبايدن، كان لا بد من وجود توافق "أمريكي - إيراني". وهذا يعني أن الإرادة العراقية هي الأضعف. لذا فإن الدولة ببرلمانها ورئاستها وحكومتها، لماذا وُجدت؟ لكي تُشكل حكومة في إطار حرب إيران في المنطقة. نحن لا نريد الحرب، لا لشعب إيران ولا للعراق ولا للسعودية ولا لإسرائيل، نحن نريد الأمان لأطفالنا ولحياتنا. حكومة العراق إذا كانت ضعيفة، ستُجبر على الانجرار للحروب، وهذا ما يحدث الآن.
الآلوسي يواجه الطبقة السياسية: أنتم مجرد نتاج توافقات خارجية
كوردستان24: السيد آلوسي، اليوم وزير خارجية العراق في المؤتمر الذي عقده لوزراء خارجية الدول العربية، قال بوضوح: "لا نريد أن يُنطلق من العراق للهجوم على السعودية والأردن وغيرهما". هل يعني هذا أن هذه المليشيات بدأت تهاجم الأردن والإمارات والسعودية من داخل العراق؟
مثال الآلوسي: هذه بياناتهم الرسمية. صديقي وزير الخارجية فؤاد حسين لا يحتاج لأن يكون نبياً ليعرف ذلك، فالبيانات تقول إنه جرى الهجوم على السعودية والكويت والأردن وسوريا. الحكومة تقول إنها اعتقلت أربعة أشخاص في "الربيعه" قاموا بهجوم على سوريا. أنا أتفق مع وزير الخارجية، فعلاً هذه المليشيات أو أي نظام عقائدي متطرف يمثل خطراً، وأجنداتهم مظلمة وقد لا تجلب الاستقرار. ولكن من الذي يدفع هذه الجماعات المسلحة للتقدم والهجوم على دول أخرى؟ الحقيقة هي أنه عندما تصل أمريكا وإيران إلى اتفاق، وأتمنى أن يتفقوا غداً وكذلك مع إسرائيل، لا مشكلة عندي، لكننا نحن "الضحية" (القشامر) في المنطقة، لأننا فقدنا ثقة الجيران، وفقدنا ثقة دول الخليج والعالم.
كوردستان24: السيد آلوسي، ذكرت مسألة الهجوم على سوريا والنظام السوري. هل تتوقع إذا استمرت الأمور هكذا أن تندلع "حرب أهلية دموية" داخل العراق أيضاً؟
مثال الآلوسي: أعداء استقرار الشرق الأوسط يدفعون بهذا الاتجاه، نعم. ويشجعون على حرب طائفية وسورية عراقية. جميعنا يعلم أن خلايا داعش الإرهابية في الأنبار قوية جداً، وموجودة في الموصل وبغداد وديالى. عندما يعمل التحالف الدولي والمسؤولون الدوليون على حمايتنا من داعش أو المجموعات الإرهابية، وإذا تركونا لوحدنا، سنبقى نحن الضحايا. لقد رأينا عناصر من "الجيش الشعبي" (الحشد) ذهبوا ليُقتلوا من أجل إرضاء إيران أو إسرائيل أو أمريكا. هذا ليس في مصلحة الاستقرار ولا في مصلحة العراق. أريد أن أقول كلمة قد تكون ثقيلة على البعض: كل عراقي يُقتل في هذه الحرب أو قبلها هو شهيد لأنه ضحية. ولكن كل مسؤول عراقي، وكل قائد في الحشد الشعبي أو في الحكومة، هو المسؤول عن هذا المصير. أعتذر عن صراحتي.
كوردستان24: شكراً جزيلاً لك السيد مثال الآلوسي، السياسي العراقي، شكراً لمشاركتك معنا. طاب مساؤك.