ذكراه لا تغيب.. "الهجرة المليونية": يوم تحوّلت فيه جبال كوردستان إلى الملاذ الوحيد من "الإبادة"
أربيل (كوردستان24)- في مثل هذا اليوم، وقبل أكثر من ثلاثة عقود، لم تكن الجبال مجرد تضاريس قاسية، بل كانت الشاهد الأخير والملاذ الأوحد لشعب قرر أن يواجه الموت برداً وجوعاً على أن يعيش تحت رحمة الجلاد. إنها ذكرى "الهجرة المليونية" (كۆڕەو) عام 1991، الملحمة التي هزت ضمير العالم وكشفت عن نزيف الروح الكوردية المستمر.
تراجيديا البحث عن الذات
تبدأ الحكاية من فلسفة الألم الكوردي؛ مآسي وحزن ودماء تتكرر في حلقة مفرغة. لقد تجاوزت هذه الأحداث كونها مجرد "واقعة تاريخية"، لتصبح "سمة" لشعب مظلوم. شعب لا يطلب من المجتمع البشري سوى أن يُعترف بإنسانيته، وبحقه في الوجود، وبإيصال هويته وثقافته إلى أفق العالم.. حلمٌ بسيط، لكنه لا يزال، للأسف، ثقيل الثمن.
جذور المأساة: تاريخ من الخذلان
لم تكن هجرة 1991 وليدة الصدفة، بل كانت نتيجة تراكمات من القمع الممنهج:
1974: اتفاقية الجزائر الخيانية التي غدرت بثورة "أيلول".
1980: إشعال الحرب "العراقية – الإيرانية" التي دفع الكورد ثمنها من أمنهم واستقرارهم.
1988: قمة القسوة؛ قصف حلبجة بالكيمياوي وعمليات "الأنفال" سيئة الصيت التي غيبت الآلاف.
الانتفاضة.. وبطش "البعث"
بعد هزيمة الكويت عام 1990، اندلعت شرارة الانتفاضة الكوردية، في آذار 1991. تحررت كوردستان، لكن نظام البعث لم يمهل الفرح طويلاً. استخدم النظام "قوة غاشمة" من دبابات ومروحيات، ضارباً عرض الحائط بكل القيم الإنسانية.
يقول الفنان والشاهد العيان عباس عبدالرزاق:
"صورتُ هذا الوثائقي في تلك اللحظات.. جئت من الجبل مع البيشمركة إلى داخل السليمانية، ولكن عندما دخلت قوات النظام لكركوك، بدأ الانسحاب.. كان الهدف حماية الأطراف، لكن النزوح الحقيقي بدأ من هناك نحو السليمانية وأربيل، لتبدأ الملحمة الكبرى."
رمضان 1991: الصيام تحت المطر
تحكي السيدة نجاة حمه عبدالله، وهي شاهدة عيان، عن تلك اللحظات: "كان الوقت قرابة 18 رمضان.. رأينا الناس يفرون في الصباح الباكر، يركبون الجرارات والشاحنات والسيارات.. أدركنا أن الرحيل هو الخيار الوحيد، فجمعنا ما استطعنا ورحلنا."
وسط هذا الضياع، كانت القصائد هي الأنيس الوحيد، حيث كان الآباء يهمسون لأطفالهم: "يا ابنتي الجميلة، لا تخافي من ذكرى حلبجة.. تعالي خلف هذه الجبال والوديان المليئة بالثلوج.. والدي معكِ وسنحمي ذكرياتنا من البرد القارس."
رحلة الموت والنزيف
لم تكن السيارات كافية لثلاثة ملايين إنسان. يروي الفنان الكوردي ميديا حسين: "كنت مع عائلتي وطفليّ (جيكر وجالنگ).. مشينا على الأقدام نحو الحدود الإيرانية وسط أمطار لم تتوقف، جعلت من الطريق قطعة من الجحيم."
ويضيف الشاهد حسن محمود: "مشينا حتى المساء.. في الظلام والزحام الذي لا يُصدق، كان الجميع يصرخ 'يا روحي' ويهرب من بطش المروحيات التي كانت تقصف كل شيء، حتى المراقد المقدسة لم تسلم منهم."
ليلة القذائف والبحث عن "سرتك"
يتذكر المصور الفوتوغرافي إبراهيم سليمان ليلة الوصول للحدود: "كان الخوف يملأ القلوب من وصول الحرس الجمهوري. وصلنا إلى الحدود قرابة السادسة مساءً.. وفي الصباح رأيت الناس بملابس ممزقة يحملون أطفالهم وسط مطر غزير، بينما قذائف النظام التنويرية تسقط فوق رؤوسنا واحدة تلو الأخرى."
"گۆنا".. الوجع الذي لا يبرأ
أقسى ما في الهجرة كان فقدان البراءة. تروي نجاة حمه عبدالله قصة الطفلة (گۆنا) التي فارقت الحياة بين يديها:
"أكلت گۆنا ثلاث لقمات من الخبز ثم سقطت من التعب.. كانت ملابسها الأرجوانية مبللة تماماً. تقيأت دماً ثم بدأت تضعف.. حملها والدي على كتفه في بطانية مبللة حتى وصلنا لـ (الموكب). في الصباح، استيقظت لأجد جسدها ثقيلاً كالحجر فوق ساقي.. گۆنا ماتت. أخفينا موتها عن الأطفال ودفناها وحيدة هناك."
الضمير العالمي يستيقظ
أمام صرخات الملايين، اهتز العالم. وصل الصحفيون، وانتشرت صور الكورد وهم يعبرون الأنهار الهائجة في "شباك حبال" بدائية. تحرك الفنانون، وقاد النجم العالمي كريس دي بيرغ حملة موسيقية وأنتج أغنية (The Simple Truth) لأجل أطفال كوردستان.
هل انتهت الهجرة؟
يختم الفنان ميديا حسين بمرارة: "الهجرة ليست بعيدة عنا، مآسينا تتكرر. من قمع 1991 إلى الهجوم على كركوك وطوزخورماتو بعد استفتاء الاستقلال عام 2017، وصولاً إلى مأساة عفرين المستمرة. الضحايا هم دائماً الأطفال والآباء العجز."
يبقى السؤال الكوردي معلقاً في فضاء المجتمع الدولي: من هو عدو الكورد؟ ولماذا لا يُسمح لهذا الشعب بالجلوس يوماً بسلام في دياره؟ هل نحن خطيئة هذه الأرض أم أن المصالح السياسية أعمت العالم عن رؤية الإنسان الكوردي؟
في ذكرى الهجرة المليونية، نجدد العهد للأرواح التي سقطت في دروب الجبال.. لن ننسى، ولن نتوقف عن طلب الحرية.
إعداد: كوردستان24