لبنان بين مطرقة الدمار وسراب التفاوض: صرخة "تعبنا" توحّد الجراح وتفرّقها السياسة

أربيل (كوردستان 24) – في قلب بيروت، وتحديداً في منطقة "كورنيش المزرعة" التي ما تزال رائحة الغبار والركام تفوح من أبنيتها المهدمة، يلملم اللبنانيون جراحهم بانتظار ما ستسفر عنه مفاوضات واشنطن المرتقبة بين بلدهم وإسرائيل. خلف واجهات المتاجر المحطمة، لا يقتصر الضجيج على جرافات إزالة الأنقاض، بل يمتد إلى نقاشات حادة حول جدوى الجلوس على طاولة واحدة مع "العدو".

بين الأمل والإرهاق

قاسم سعد، صاحب متجر أصيب في الغارات الأخيرة، يختصر لسان حال الكثيرين بكلمة واحدة: "تعبنا". بالنسبة لرجل أب لأربعة أولاد، أصبحت الأمنية الوحيدة هي "الاستقرار". يرى سعد أن المفاوضات قد تكون مخرجاً إذا ضمنت انسحاباً كاملاً وحفظاً للحقوق، ليتسنى له تربية أطفاله بعيداً عن دوي الانفجارات. هذا الشعور بالإرهاق يشاركه فيه كمال عياد، الذي يؤيد أي مسعى يخدم مصلحة لبنان وينهي دوامة الحروب، معرباً عن أمله في ألا تعرقل القوى الإقليمية، وتحديداً إيران، هذا المسار السلمي.

انقسام حول "التفاوض تحت النار"

لكن هذا التطلع نحو السلم يصطدم بجدار من التشكيك والرفض لدى فئات أخرى. محمد الخطيب، الذي دُمرت شركته للإلكترونيات، يرى أن التفاوض "تحت الضرب والإهانة" غير مقبول. بالنسبة له، تفتقر إسرائيل للمصداقية التاريخية، وهي التي "تطمع دائماً في الأرض والمياه". هذا الانقسام يعكس شرخاً وطنياً أعمق؛ فبينما تدفع السلطة اللبنانية نحو وقف إطلاق النار كأولوية، يصر الجانب الإسرائيلي على أهداف تتجاوز الهدنة إلى "تفكيك سلاح حزب الله" وتحقيق سلام دائم بشروطه.

 

هواجس الداخل وتعقيدات الخارج

وبعيداً عن ركام بيروت، تبرز مخاوف من أن يتحول الخلاف حول المفاوضات إلى فتيل لنزاع داخلي جديد. جو غفري، الذي عاصر ويلات الحرب الأهلية، يخشى من تكرار السيناريوهات السوداء في حال أصر فريق على التفاوض ورفضه فريق آخر (حزب الله ومناصروه). ويربط غفري مصير الحرب والسياسة في لبنان بـ "الاشتباك الكبير" بين طهران وواشنطن، معتبراً أن أي مفاوضات لن تؤتي ثمارها ما لم يُحل العقد الإقليمي أولاً.

بين ذكرى الحرب الأهلية وواقع الحرب الراهنة، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام خيار صعب: المراهنة على مفاوضات محفوفة بالمخاطر والذكريات الفاشلة (فاتفاق 17 أيار)، أو الاستمرار في دفع أثمان حروب يرى الكثيرون أنها تجاوزت قدرتهم على الاحتمال. بين هذا وذاك، تظل كلمة "تعبنا" هي القاسم المشترك الوحيد في بلد يبحث عن استراحة محارب لم تأتِ بعد.

المصدر: فرانس برس