المهن اليدوية في دمشق.. "شيوخ الكار" يصارعون البقاء
أربيل (كوردستان24)- منذ قرون، ارتبط اسم دمشق بصناعاتها اليدوية الفاخرة؛ من بريق النحاس، وتعشيقات الموزاييك، إلى تفاصيل الحفر على الخشب. هذه المهن التي كانت يوماً فخر الصناعة الدمشقية وسفيرة تراثها إلى العالم، تواجه اليوم خطر الزوال، محاصرةً بين مطرقة الأزمات الاقتصادية وسندان غياب الجيل الجديد.
لم تكن هذه الحرف مجرد مصدر رزق، بل هوية تتوارثها الأجيال. يروي الحرفي أيهم نويلاتي قصة عائلته التي ارتبط اسمها بالمهنة لسنوات طويلة، قائلاً: "نحن نتوارث هذه المهنة من الأجداد، كل جيل يسلمها للأبناء. والدي هو الأساس، وأنا تعلمت منه المصلحة منذ الصغر، لكن اليوم من الصعب جداً توريث هذه المهنة في ظل الظروف الحالية".
ويضيف نويلاتي بمرارة: "إذا كان لدي أطفال، فلن أورثهم هذه المصلحة. الأوضاع تزداد سوءاً؛ الضرائب مرتفعة جداً، والكهرباء وتكاليفها أصبحت عبئاً لا يُطاق. مهما وضعنا من جهد وتكاليف على القطعة، نجد أنفسنا خاسرين في النهاية".
إلى جانب التكاليف المادية، يبرز نقص الأيدي العاملة الخبيرة كأحد أخطر التحديات. فبعد هجرة الكثير من "شيوخ الكار"، يعزف الشباب عن تعلم مهن تتطلب جهداً عضلياً وصبراً طويلاً.
ويوضح الحرفي أحمد منصور هذه الفجوة قائلاً: "المواد الأولية، وخاصة الخشب الخام المستورد والمحلي، أصبحت باهظة الثمن وقليلة التوفر. أما الجيل الجديد، فهو يبحث عن الربح السريع وعن كل ما يتعلق بالتكنولوجيا والإنترنت، ولا يملك الصبر للتعامل مع مهنة تتطلب الفن والتعب. نخشى فعلاً أن تنقرض مهن الحفر على الخشب، والنحاس، والموزاييك، والصدف".
لطالما كان السائح الأجنبي هو المحرك الأساسي لأسواق الحرف اليدوية في دمشق القديمة، لكن غياب الزوار لسنوات طويلة أدى إلى ركود خانق.
ويستذكر الحرفي عبد الناصر النويلاتي أيام الازدهار قائلاً: "في السابق، كانت المجموعات السياحية تملأ السوق، والعمل كان مستمراً. اليوم، لا توجد سياحة تقريباً، ونعتمد فقط على أبناء البلد". ويضيف مشيراً إلى الضغوط المالية: "إذا لم تكن محباً لمهنتك ومتحملاً للضريبة والضغوط، فلن تستطيع الاستمرار. لم يبقَ من يورث هذه المهن، وهذا يضع إرث دمشق الإنساني أمام خطر حقيقي".
رغم قتامة المشهد، لا يزال بعض الحرفيين متمسكين بمطارقهم وأزاميلهم، يحاولون الحفاظ على ما تبقى من ذاكرة مدينتهم. إلا أن هذا الصمود الفردي، بحسب خبراء، يحتاج إلى تدخلات حكومية ودعم مباشر يشمل تخفيف الضرائب وتأمين المواد الأولية، وحماية "شيوخ الكار" الباقين، لضمان ألا تتحول هذه التحف الفنية إلى مجرد صور في كتب التاريخ.