"حصار السنابل".. مدير زراعة أربيل يكشف، تفاصيل "القرار السياسي" لبغداد بتقليص استلام قمح الإقليم
اربيل (كوردستان24) - في موسم زراعي مبشر شهدت فيه أراضي إقليم كوردستان وفرة استثنائية في إنتاج محصول القمح بفضل معدلات الأمطار الجيدة، يواجه مزارعو الإقليم أزمة متجددة تتمثل في سياسات الحكومة الاتحادية في بغداد. فقد حددت بغداد سقفاً منخفضاً جداً لاستلام قمح الإقليم لا يتجاوز 292 ألف طن، وهو رقم لا يتناسب إطلاقاً مع حجم الإنتاج الفعلي الذي يتخطى حاجز المليون ونصف المليون طن.
للحديث عن تداعيات هذا القرار الذي تصفه أربيل بـ "السياسي"، والجهود المبذولة لرفعه، والخطط البديلة لحماية المزارعين من الخسائر، استضافت شاشة (كوردستان 24) ضمن نشرتها الاقتصادية، هیمن سيد مراد، المدير العام للزراعة في محافظة أربيل. وفيما يلي نص الحوار:
كوردستان24: السيد هیمن سيد مراد، المدير العام للزراعة في محافظة أربيل، ضيفاً عزيزاً معنا في استوديو الاقتصاد للحديث عن ملف تسويق القمح. أهلاً بك.
يتساءل المزارعون، هل هناك أي أمل، أو هل هناك باب مفتوح للحوار مع الحكومة العراقية بشأن قرارها الأخير؟ هل قرار استلام 292 ألف طن فقط من عموم إقليم كوردستان هو قرار نهائي؟
هیمن سيد مراد: شكراً جزيلاً لهذه الاستضافة، وتحياتي لك وللمشاهدين الكرام.
حصاد في خطر! بغداد ترفض استلام أكثر من 20% من قمح كوردستان
سنوياً، عندما يتم إقرار موازنة العراق في مجلس النواب، فإن تخصيصات شراء الحبوب، وتحديداً القمح، تُدرج ضمن ميزانية "النفقات الحاكمة" (السيادية). والمشكلة تكمن في أن هذه الميزانية المخصصة لشراء القمح، عندما تصل إلى حصة إقليم كوردستان، يتم تقليصها بشكل كبير. ونتيجة لذلك، يُحرم مزارعو الإقليم من الاستفادة من هذه التخصيصات أسوة بغيرهم.
نحن نعتبر أن ما تقوم به الحكومة العراقية هو تصرف أقرب إلى "الاستهداف السياسي" ضد إقليم كوردستان ومزارعيه، حيث يتم حرمانهم وتهميشهم من عملية تسويق محصولهم الاستراتيجي. من جانبنا في وزارة الزراعة بحكومة الإقليم، بذلنا ولا نزال نبذل جهوداً حثيثة لإفهام الحكومة في بغداد بأن إنتاج القمح في كوردستان قد ارتفع إلى مستويات قياسية.
كوردستان24: لكن هل القرار الحالي المتمثل بـ 292 ألف طن هو قرار قطعي ونهائي؟ أم أن هناك حوارات لا تزال جارية مع بغداد لزيادة هذه الكمية لتتناسب مع الإنتاج الفعلي؟
هيمن سيد مراد: مزارعو الإقليم يدركون تماماً أن حكومة إقليم كوردستان تقف دائماً كداعم رئيسي لهم. نحن نراقب الوضع عن كثب ولن نقف مكتوفي الأيدي حتى يتم إنصافنا. لا يمكننا القبول بأن يتم استلام جزء يسير فقط من محصول مزارعينا، وترك الباقي، لأن هذا سيلحق ضرراً بالغاً بالقطاع الزراعي في الإقليم ولن تنجح عملية التسويق بهذا الشكل.
بغداد تستلم 292 ألف طن فقط من أصل مليون ونصف طن من قمح الإقليم!
حكومة الإقليم لن تتخلى عن هذا الملف. في السنوات الماضية شهدنا أموراً مشابهة، وقد تم إرسال لجنتين من قبل الحكومة العراقية لتقييم الوضع، ورغم المفاوضات، لم نصل بعد إلى رفع النسب بالشكل المطلوب.
كوردستان24: على أي أساس يتم تحديد هذه الأرقام؟ هل تستند بغداد إلى مسوحات ميدانية لتقدير حجم الإنتاج لكي تقرر استلام هذه الكمية القليلة فقط (292 ألف طن)؟
هيمن سيد مراد: للأسف، هم لا يعتمدون على مسوحات دقيقة لتقدير الإنتاج السنوي. عندما تجري المفاوضات، يتم تحديد رقم معين بشكل جزافي لحصة إقليم كوردستان. وفي المقابل، عندما تبدأ عملية التسويق، تفتح بغداد أبوابها لاستلام كامل المحصول من مزارعي المحافظات العراقية الأخرى (في الوسط والجنوب) دون أي سقف محدد.
هذا التصرف يؤكد أن هناك استهدافاً، ونحن نعتبر هذا القرار قراراً "سياسياً" وليس فنياً. لذلك، نحن نطالب بضرورة عدم تحويل هذا الملف الاقتصادي والزراعي إلى ورقة ضغط سياسي تُستخدم ضد إقليم كوردستان.
كوردستان24: ما هو حجم الإنتاج المتوقع هذا العام في عموم الإقليم؟ ولماذا يعتبر رقم 292 ألف طن مجحفاً؟
هيمن سيد مراد: هذا العام، وبفضل هطول الأمطار الجيدة، نتوقع إنتاجاً وفيراً جداً في جميع مناطق الإقليم. نحن نتحدث عن أكثر من مليون ونصف المليون طن من القمح كإنتاج متوقع في عموم كوردستان. عندما نطلب منهم استلام كامل المحصول، ويأتون ليحددوا لنا سقفاً بـ 292 ألف طن فقط، فهذا يعني أنهم يضعون عقبة كبيرة أمامنا. هذه النسبة قليلة جداً ولا تلبي طموحات واحتياجات مزارعينا.
نحن مستمرون في المطالبة بحقوقنا عبر كافة المؤسسات (البرلمان، الحكومة، والجهات المعنية)، ونمارس ضغوطاً متواصلة لزيادة هذه الكمية.
إنتاج القمح يتخطى حاجز المليون ونصف المليون طن هذا العام.
كوردستان24: متى تبدأ عملية التسويق فعلياً؟ وهل هناك وقت كافٍ لتعديل هذا القرار؟
هيمن سيد مراد: عادة، عملية التسويق تبدأ في أواخر شهر أيار (مايو) وبدايات شهر حزيران (يونيو). حتى ذلك الحين، نحن نواصل حواراتنا. لقد قمنا بتكثيف جهودنا ونتواصل مع كافة الجهات، وحكومة الإقليم استخدمت ثقلها، وهناك دعم برلماني ومجتمعي لمواجهة هذا التحدي. نحن متفائلون بأننا سنتمكن من رفع هذه النسبة، لأن بقاءها على هذا الحال سيترك كميات هائلة من القمح دون تسويق.
كوردستان24: في حال أصرت بغداد على موقفها ولم تزد الكمية المحددة، ما هي خطتكم البديلة؟ ماذا سيفعل المزارعون بالكميات الفائضة الكبيرة من القمح؟
بغداد لا تعتمد على مسوحات.. يحددون رقمنا جزافاً ويفتحون أبوابهم لقمح المحافظات الأخرى!"
هيمن سيد مراد: نحن نركز حالياً على إلزام الحكومة الاتحادية باستلام المحصول. ولكن، حكومة الإقليم لا تقف مكتوفة الأيدي ولديها سيطرة ورؤية للحل. لدينا قطاع صناعي زراعي محلي واعد ومصانع ومعامل تعتمد على القمح.
في العام الماضي، اتخذت حكومة إقليم كوردستان خطوة ممتازة برعاية اتفاقيات مع شركات ومصانع القطاع الخاص لغرض شراء قمح المزارعين. هذا العام أيضاً، إذا تطلب الأمر، فإننا سندعم بقوة تكرار هذه التجربة، لتكون هذه المعامل والمصانع المحلية سنداً حقيقياً لاستيعاب محصول المزارعين وحمايتهم من الخسارة، وسنقدم كافة التسهيلات لضمان تسويق المحصول داخلياً.
كوردستان24: بالانتقال إلى الجانب المناخي، شهدنا مؤخراً موجات من الأمطار الغزيرة. هل تسببت هذه الأمطار بأضرار لمحصول القمح، وتحديداً في حدود محافظة أربيل؟
هيمن سيد مراد: نعم، كانت هناك بعض الحالات، ولكنها لم تصل إلى مستوى التهديد الاستراتيجي للمحصول بشكل عام في المحافظة. قمنا بتوجيه فرقنا من مديرية وقاية المزروعات والدوائر الزراعية في الأقضية والنواحي لإجراء كشوفات ميدانية.
سجلنا أضراراً ناجمة عن السيول وتساقط حبات البرد (الحالوب) في مناطق محددة، لكن هذه الأضرار تعتبر موضعية ولا تؤثر بشكل كبير على إجمالي الإنتاج المتوقع. كما أن محصول القمح حالياً لا يزال في مراحل النمو ولم يصل إلى مرحلة النضج الكامل التي تجعله عرضة للتلف التام بسبب هذه الظروف. وقد قدمنا الإرشادات والمبيدات اللازمة للمزارعين للتعامل مع أي آفات قد تظهر نتيجة الرطوبة.
كوردستان24: بناءً على المعطيات الحالية، ما هو حجم الإنتاج المتوقع لمحصول القمح في حدود محافظة أربيل لوحدها هذا العام؟
بغداد مدينة لمزارعي كوردستان بـ 204 مليار دينار منذ 2014.. وتدفع 6 مليارات فقط!
هيمن سيد مراد: باستثناء المناطق المشمولة بالمادة 140 (المناطق المتنازع عليها)، قمنا في محافظة أربيل بزراعة مساحة تقدر بـ 952 ألف دونم بمحصول القمح. ومع التوقعات الإيجابية لهذا الموسم، نُقدر أن يصل حجم الإنتاج في حدود محافظة أربيل لوحدها إلى ما يقارب مليون ونصف المليون طن. وهذا يؤكد على ضخامة الإنتاج وضرورة إيجاد منافذ تسويقية عادلة له.
أود أن أضيف نقطة بالغة الأهمية تتعلق بالمستحقات المالية المتأخرة لمزارعينا. نحن في إقليم كوردستان لدينا مستحقات مالية متراكمة بذمة الحكومة الاتحادية عن سنوات سابقة (2014، 2015، 2016) تتجاوز قيمتها 204 مليار دينار.
ومؤخراً، وزارة التجارة العراقية خصصت مبلغ 6 مليارات دينار فقط كدفعة من هذه المستحقات المتأخرة للإقليم! هذا المبلغ ضئيل جداً ولا يكاد يذكر مقارنة بحجم الديون المتراكمة، ولا يغطي سوى جزء بسيط جداً من حقوق المزارعين. نحن نطالب وبشدة بالإسراع في صرف كافة المستحقات المالية المتبقية لمزارعينا دون أي تأخير إضافي، فهذا حق أصيل لهم، ولا يجب التلاعب به.
كوردستان24: السيد هیمن سيد مراد، المدير العام للزراعة في محافظة أربيل، شكراً جزيلاً على كل هذه التوضيحات.