حرب باردة أم هدوء ما قبل العاصفة؟ د. دلاور علاء الدين يفكك طلاسم الهدنة الهشة بين طهران وواشنطن..
اربيل (كوردستان24) - طابت أوقاتكم بكل خير. في حديث اليوم، نناقش تداعيات الصراع الإيراني على العراق والمنطقة. نركز في هذه التطورات بشكل خاص على مسألة وقف إطلاق النار والتفاوض، ونتساءل: هل سيكون منطق السلاح أم منطق الدبلوماسية هو الحاسم في نهاية المطاف بين إيران وأمريكا؟ هل ستكون تداعيات هذا الصراع على المنطقة والعالم قصيرة الأمد أم طويلة الأمد؟ إذا كانت أمريكا بلا خطة واضحة في هذه الحرب، فكيف ستتمكن من إخراج نفسها منها؟
في الوقت ذاته، وبشأن العراق الذي يقع في قلب هذا الصراع، نتساءل: هل يستطيع العراق أن ينأى بنفسه سياسياً ويقف على الحياد؟ أم أنه سيضطر في النهاية للانحياز إلى أحد المحورين والانخراط في الأزمة؟ هل ستبقى سيادة العراق مجرد مصطلح نظري في ظل الصراعات بين الدول؟ لمناقشة هذه الملفات المعقدة، نرحب بضيفنا الكريم، الدكتور دلاور علاء الدين، رئيس مؤسسة الشرق الأوسط للبحوث (ميري). أهلاً بك دكتور في استوديو كوردستان 24، وشكراً لتلبيتك الدعوة.
نص الحوار:
ژینو محمد: بداية دكتور، دعنا نتساءل عن المنطق السائد الآن في الشرق الأوسط؛ هل هو منطق السلاح، أم منطق التفاوض والاتفاقات؟
الدكتور دلاور علاء الدين: بالتأكيد، نحن الآن في مرحلة انتقالية. بعد حرب كبيرة وساخنة مليئة بالصراعات المتعددة، دخلنا الآن في مرحلة "وقف إطلاق النار"، لكنه وقف إطلاق نار هش جداً. نحن سعداء بأن مرحلة الاشتباك المباشر قد توقفت مؤقتاً، ولكن في الواقع بدأت "حرب باردة". هذه الحرب الباردة قد تكون قصيرة أو قد يطول أمدها.
حالياً، انعدمت الثقة تماماً بين إيران وأمريكا. إيران، بخبرتها الطويلة في التفاوض الماراثوني وإطالة أمد المحادثات لكسب الوقت، تجد نفسها الآن أمام إدارة أمريكية جديدة (إدارة ترامب) لن تقبل بهذا الأسلوب. إدارة ترامب غير مستعدة للدخول في مفاوضات عبثية طويلة، بينما إيران تأمل في إطالة الأمد لتخفيف الضغط. أمريكا الآن في وضع حرج، فهي تريد الخروج من هذه الحرب بسرعة وتسجيل إنجازات واضحة، والإنجازات الحالية التي يتم الحديث عنها هي إنجازات عسكرية بالأساس (مثل ضرب البنية التحتية العسكرية الإيرانية)، لكن سياسياً لم يتم حسم الأمور بعد.
استراتيجية "النفس الطويل" الإيرانية تترنح!
ژینو محمد: بناءً على ما نراه الآن دكتور، أي منطق سيتغلب؟ هل السلاح أم الدبلوماسية؟
الدكتور دلاور علاء الدين: كلا الطرفين هدفهما الدبلوماسية والتفاوض والوصول إلى اتفاق، حتى لو لم يكن اتفاقاً شاملاً، بل مجرد تفاهم ينهي التصعيد. لكن لأن الاتفاق لم يكتمل بعد، يتم استخدام السلاح كأداة للتهديد والضغط، و"لي الأذرع" إن صح التعبير. الضربات الجوية، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز من قبل الطرفين؛ كلها أدوات ضغط ومناورات لتحسين شروط التفاوض. المفاوضات مستمرة، ولكن على أمل الوصول إلى نقطة توقف فيها الحرب تماماً. المشكلة أن إيران لا تريد أن تبدو وكأنها استسلمت، وأمريكا أيضاً لا تريد أن تبدو ضعيفة. المفاوضات يجب أن تكون دقيقة جداً لتجنب اشتعال الحرب مجدداً.
ژینو محمد: لقد وصفت وقف إطلاق النار بأنه "هش وضعيف". سؤالي هو: هل هذا الوقف الهش لإطلاق النار هو مجرد تكتيك أو "لعبة" لتمرير الوقت، أم أنه استعداد حقيقي لجولة أخرى من الصراع؟
الدكتور دلاور علاء الدين: إنه وقف إطلاق نار حقيقي، لكن أمريكا وضعت موعداً نهائياً، وإيران لم تلتزم به لأنها لم تكن راضية عن شروطه. رداً على ذلك، وفي محاولة لممارسة أقصى درجات الضغط، تقوم أمريكا بجلب إمدادات عسكرية ضخمة إلى المنطقة؛ حاملات الطائرات والغواصات وكل ما يلزم للترسانة العسكرية يتم تجهيزه. هذه رسالة واضحة لإيران مفادها: "إذا أردتم الحرب، فنحن مستعدون تماماً". من خلال هذا التهديد وهذا الاستعراض للقوة، تريد أمريكا إجبار إيران على تقديم تنازلات أكبر على طاولة المفاوضات، وهي التنازلات التي لم تقدمها إيران حتى الآن. لذا، التهديد بالحرب وارد بقوة، إلى جانب الحصار والضغط الاقتصادي.
ژینو محمد: يقال دائماً إن إيران تتمتع بـ "نفس طويل" في هذه القضايا. هل ما زالت كذلك؟
الدكتور دلاور علاء الدين: إيران تاريخياً تتمتع بنفس طويل، وكانت دولة منظمة وقوية ولديها القدرة على الصبر، خاصة أنها أبعدت شبح الحرب عن أراضيها المباشرة لسنوات طويلة عبر نقل الصراع إلى ساحات أخرى (كالعراق وغيرها). كانت قادرة على تحمل ضغوط التفاوض الماراثوني. لكن الوضع اليوم اختلف كلياً. قدرة النظام على التحمل تراجعت، والوضع الداخلي في إيران، سياسياً واقتصادياً، بات أسوأ بكثير من أن يتحمل سياسة "الصبر الاستراتيجي" التي لا تنتهي وتخلو من أي مكاسب مادية. إيران بحاجة ماسة اليوم لترتيب أوراقها الداخلية، وإعادة بناء بنيتها التحتية العسكرية والمدنية، وهذا يتطلب تعاوناً دولياً وليس عزلة ومزيداً من الصراعات. الصبر الذي كانت تملكه في أوقات الاستقرار، لم يعد متوفراً اليوم.
من يمتلك خطة الشرق الأوسط؟ ترامب، إسرائيل، أم استراتيجية "النفس الطويل" الإيرانية؟
ژینو محمد: هناك مقولة تتردد بأن أمريكا دخلت هذا الصراع بلا خطة وبلا أهداف واضحة، وأن الخطة الوحيدة الموجودة هي خطة إسرائيل والموساد. كيف تقرأ ذلك؟
الدكتور دلاور علاء الدين: هذا الكلام غير دقيق. في فترة إدارة ترامب الأولى، كان لأمريكا أهداف محددة جداً، من ضمنها الانسحاب من الاتفاق النووي وممارسة أقصى درجات الضغط لتحجيم إيران. أمريكا كدولة عظمى لديها القدرة على إيجاد المخارج. ترامب لا يريد حرباً طويلة، بل يريد تحقيق نصر سريع، سواء كان ذلك بفرض اتفاق جديد أو بتغيير سلوك النظام الإيراني. من جهة أخرى، إسرائيل برئاسة نتنياهو كان لديها أهداف واضحة أيضاً، وهي القضاء على وكلاء إيران (حماس وحزب الله) وتدمير قدرات إيران النووية والصاروخية. نتنياهو حاول إقناع أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية، لكن أمريكا لم توافق على كل شيء. في النهاية، هناك تقاطع في المصالح بين أمريكا وإسرائيل في تحجيم نفوذ إيران الإقليمي، رغم اختلاف التكتيكات.
ژینو محمد: بشكل عام، هل ستكون تداعيات هذا الصراع على العراق والشرق الأوسط قصيرة الأمد أم طويلة الأمد؟
الدكتور دلاور علاء الدين: ستكون لها تداعيات على المديين القصير والطويل. على المدى القصير، رأينا حجم الدمار والتوتر. أما على المدى الطويل، فهناك إعادة تشكيل للنظام الإقليمي. كل دولة في المنطقة (سواء كانت صغيرة أم كبيرة) عليها أن تراجع سياساتها وتحالفاتها. التساؤلات تطرح: هل سيتم التطبيع مع إسرائيل أم لا؟ وكيف ستتعامل الدول مع واقع جديد يتم فيه إضعاف محور على حساب آخر؟
ژینو محمد: بالحديث عن التطبيع، هل ترى أن العراق قد يتجه نحو التطبيع مع إسرائيل في ظل هذه المتغيرات؟
الدكتور دلاور علاء الدين: كلا، العراق لن يفعل ذلك، وليس في وضع يسمح له بالتطبيع أو الدخول في هذا النظام الإقليمي الجديد بهذا الشكل. العراق دولة ذات تركيبة سياسية معقدة، والأغلبية السياسية المهيمنة (التي تشكل الإطار التنسيقي والفصائل) قريبة جداً من إيران. لا توجد أي نية أو إمكانية سياسية في العراق اليوم لفتح باب التطبيع مع إسرائيل، وأي حديث عن ذلك مستبعد تماماً في هذه المرحلة.
أين سيادة العراق في حروب الوكالة؟ قرار الحرب والسلم مختطف
ژینو محمد: نصل إلى نقطة هامة جداً دكتور؛ هل مصطلح "سيادة العراق" في ظل هذه الصراعات والتدخلات هو مصطلح حقيقي، أم مجرد وهم دبلوماسي لتغطية التدخلات الأمريكية والإيرانية في بغداد؟
الدكتور دلاور علاء الدين: العراق دولة ذات سيادة بالمعنى القانوني والدولي؛ لديه حكومة وبرلمان ودستور واعتراف دولي. لكن من الناحية العملية والتطبيقية، السيادة منقوصة وممزقة. قرار الحرب والسلم ليس بيد الدولة وحدها. الحكومة العراقية، برئاسة رئيس الوزراء، تحاول جاهدة إبعاد العراق عن الحرب والالتزام بموقف الحياد الرسمي كدولة. لكن هناك "اللادولة" (الفصائل المسلحة والميليشيات) التي تعمل خارج إرادة الحكومة، وهذه المجموعات لها أجنداتها الخاصة المرتبطة بمحور المقاومة وإيران.
الحكومة لم تستطع السيطرة على هذه الفصائل، وهذه الفصائل استخدمت الأراضي العراقية لإطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ، مما جعل العراق طرفاً في الصراع وجلب التهديدات إليه. الدول الأخرى (مثل أمريكا أو إسرائيل) عندما ترى تهديداً ينطلق من العراق، لن تتعامل مع العراق كدولة ذات سيادة محايدة، بل ستستهدف مصادر التهديد. لذلك، السيادة مخترقة من الداخل قبل أن تُخترق من الخارج.
ژینو محمد: وما هو حجم الضرر الذي سيلحق بإقليم كوردستان نتيجة هذه التخبطات وهذه الصراعات التي تُخاض في العراق والمنطقة؟
الدكتور دلاور علاء الدين: نحن في إقليم كوردستان لسنا بعيدين عن هذه النار. رغم أن الإقليم حاول دائماً أن ينأى بنفسه وأن يكون عامل استقرار، إلا أننا جزء من الجغرافيا العراقية والإقليمية. إذا تعرض العراق للضربات أو عدم الاستقرار، فإن ذلك ينعكس اقتصادياً وأمنياً على كوردستان. بالإضافة إلى ذلك، إقليم كوردستان واجه استهدافات مباشرة في أوقات سابقة بحجج وذرائع مختلفة. لذلك، المطلوب منا في الإقليم هو توحيد الصف الداخلي، والابتعاد عن الصراعات الجانبية، وتقوية مؤسساتنا لنتمكن من حماية كياننا وشعبنا من شظايا هذا الصراع الإقليمي الكبير الذي يدور من حولنا.
ژینو محمد: الحديث معك لا يُمل ويحتاج إلى برامج أخرى لتغطية كل هذه التشعبات. الدكتور دلاور علاء الدين، رئيس مؤسسة (ميري)، شكراً جزيلاً لك على هذه التحليلات القيمة وتواجدك معنا في استوديو كوردستان 24.
الدكتور دلاور علاء الدين: شكراً جزيلاً لكم.