"عقيد" في الصالونات.. وموظف "دليفري" في الواقع: قصة الملياردير المزيّف الذي أربك أجهزة الأمن اللبنانية

أربيل (كوردستان24)- شهدت الساحة الأمنية والقضائية في لبنان حالة من الذهول والإرباك عقب الكشف عن تفاصيل توقيف المواطن العراقي، طارق الحسيني الكربلائي، الذي نجح لفترة في اختراق دوائر ضيقة بصفة "ضابط أمن برتبة عقيد"، قبل أن تسقطه مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، كاشفة عن هوية مغايرة تماماً للصورة التي رسمها لنفسه.

سقوط "الضابط الطائر"

أعلنت قيادة الجيش اللبناني في بيان رسمي، أن مديرية المخابرات أوقفت المدعو «ط.ن» (طارق الكربلائي) بعد عملية رصد دقيقة. وأوضح البيان أن الموقوف انتحل صفة مسؤول أمني عراقي رفيع المستوى، واستخدم مستندات مزورة وبزة عسكرية كاملة لتسهيل تحركاته وإضفاء شرعية وهمية على وجوده في لبنان، مدعياً أنه يتولى مسؤولية أمن السفارة العراقية في بيروت.

بين النفوذ الوهمي وطلبات المطاعم

وفي حين ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بروايات عن "نفوذ واسع" يتمتع به الرجل داخل الأجهزة الأمنية اللبنانية، سارعت مصادر قضائية إلى "ترشيد" حجم القضية.

وأوضح مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن الملف أعطي حجماً أكبر مما يستحق، كاشفاً عن مفارقة صادمة؛ فبينما كان الكربلائي يوهم الضباط بوزنه الأمني، كانت حقيقته المهنية تقتصر على كونه موظفاً في مطعم لبناني، مهمته تدوين "طلبات الدليفري" عبر الهاتف. وأشار المصدر إلى أن الموقوف كان موظفاً سابقاً في السفارة العراقية وتم إبعاده، ليلجأ بعدها إلى انتحال الصفة لفتح أبواب الصالونات واللقاءات الاجتماعية.

أزمة "الصور التذكارية" والقادة

ما زاد من حساسية القضية، هو انتشار صورة تجمع الموقوف بالمدير العام لجهاز أمن الدولة اللبناني، اللواء إدغار لاوندوس، مما أثار تساؤلات حول كيفية وصول "منتحل صفة" إلى قمة الهرم الأمني.

من جانبه، نفى جهاز أمن الدولة بشكل قاطع وجود أي علاقة تنسيقية مع الموقوف. وأوضح مصدر في الجهاز أن اللقاء لم يتجاوز "دقيقتين" في وفد مهنئين عام عقب تعيين اللواء لاوندوس، حيث استغل الموقوف الزيارة لالتقاط صورة "على الواقف" بهاتفه الشخصي، وهو أسلوب استخدمه الكربلائي مع عشرات الضباط والمسؤولين لإقناع ضحاياه الجدد بنفوذه المزعوم.

وعود دينية ومصالح شخصية

وبحسب التحقيقات الأولية، لم تكن وعود "العقيد المزيّف" تتعلق بدعم لوجستي أو أمني للدولة اللبنانية، بل تركزت على إغراءات شخصية لبعض الضباط، تضمنت تنظيم زيارات دينية "VIP" إلى مدينة كربلاء على نفقة الدولة العراقية المزعومة، وهي الوعود التي لم يترجم أي منها على أرض الواقع.

لا يزال التحقيق مفتوحاً بإشراف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، للوقوف على كافة الاحتمالات، وتحديد ما إذا كان هناك "اختراق" حقيقي قد حصل، أو أن الأمر لا يتعدى كونه عملية احتيال اجتماعي ذكي استغلت الثغرات في بروتوكولات الزيارات الاجتماعية والمناسبات العامة.