هل تستطيع إسرائيل فك الارتباط البنيوي بالمظلة العسكرية الأمريكية؟

أربيل (كوردستان24)- تُجمع الدوائر السياسية والعسكرية الدولية على أن العلاقة العسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة تُمثل واحدة من أقوى التحالفات الاستراتيجية في التاريخ المعاصر. هذا الرباط الذي صُقل عبر عقود من الحروب والدبلوماسية والتعاون التكنولوجي، تحول من علاقة "حذرة ومحدودة" في بداياتها إلى شراكة أمنية عميقة ومتشابكة، تشمل اليوم المساعدات العسكرية، تبادل المعلومات الاستخباراتية، الدفاع الصاروخي، والمناورات المشتركة، وصولاً إلى التنسيق الكامل في ملفات الشرق الأوسط.

تُشير القراءة التاريخية لهذا التحالف إلى أنه لم يبدأ كشراكة فورية؛ فبينما كان الرئيس الأمريكي هاري ترومان أول المعترفين بقيام إسرائيل عام 1948، إلا أن واشنطن تجنبت حينها أن تكون المورد العسكري الرئيسي لها. وخلال الخمسينات، كانت فرنسا هي المصدر الأساسي للسلاح الإسرائيلي، في ظل حذر أمريكي من إغضاب الدول العربية أو تهديد مصالح النفط. وحتى بعد أزمة السويس عام 1956، فرضت واشنطن قيوداً أبقت التعاون العسكري في أدنى مستوياته.

بدأ التحول الحقيقي في الستينات؛ حيث وافقت إدارة جون كينيدي على بيع أنظمة دفاعية لإسرائيل. لكن المنعطف الحاسم كان حرب عام 1967، إذ رأت واشنطن في "الانتصارات الإسرائيلية" السريعة فرصة لموازنة النفوذ السوفياتي في المنطقة خلال الحرب الباردة، وبدأت حينها بتزويد إسرائيل بطائرات "فانتوم إف-4".

تعمقت الشراكة بشكل جذري بعد حرب عام 1973، حين أطلقت واشنطن عملية "نيكل غراس" لمد جسر جوي طارئ من الأسلحة لإسرائيل، مما غيّر طبيعة العلاقات لتشمل تنسيقاً استخباراتياً والتزامات بمساعدات طويلة الأمد. وفي الثمانينات، خلال عهد رونالد ريغان، تم منح إسرائيل صفة "حليف رئيسي من خارج الناتو" عام 1987، وتوسعت المناورات المشتركة وتخزين المعدات الأمريكية داخل إسرائيل.

ومع نهاية الحرب الباردة، تكيفت العلاقة مع التهديدات الجديدة؛ حيث أبرزت حرب الخليج 1991 ضرورة التعاون في الدفاع الصاروخي بعد هجمات صواريخ "سكود" العراقية، ثم تكثف التعاون بعد هجمات 11 سبتمبر ليشمل مكافحة الإرهاب، الأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة.

تتجسد العلاقة اليوم في إطار مؤسساتي متين، تحكمه مذكرة تفاهم (2016) تلتزم بموجبها واشنطن بتقديم 3.8 مليار دولار سنوياً كمعونة عسكرية، تُخصص لشراء طائرات "إف 35" والذخائر الدقيقة. كما يبرز التعاون الصناعي في تطوير أنظمة "القبة الحديدية"، و"مقلاع داود"، و"حيتس"، التي تدمج بين التمويل الأمريكي والابتكار الإسرائيلي.

ورغم متانة التحالف، تُثار تساؤلات حول مستقبله، إذ يرى منتقدون في الداخل الأمريكي أن المساعدات مبالغ فيها، بينما يعتبرها المؤيدون ركيزة استراتيجية. وقد احتدم هذا الجدل بعد حرب غزة 2023، التي شهدت تسريعاً لشحنات الأسلحة الأمريكية ودعماً إضافياً بقيمة 14.5 مليار دولار وافق عليه الكونغرس مؤخراً.

في المقابل، برز توجه إسرائيلي جديد يدعو لتقليص الاعتماد على واشنطن، حيث أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رغبته في الاستغناء تدريجياً عن المساعدات خلال العقد المقبل لتعزيز استقلالية القرار السياسي.

وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متطورة (مثل شركات IAI، رافائيل، وإلبيت)، وهي ثامن أكبر مصدّر للسلاح عالمياً بمبيعات بلغت 14.8 مليار دولار في 2024. ومع ذلك، يظل الاستقلال الكامل أمراً بالغ الصعوبة للأسباب التالية:

التبعية الجوية: اعتماد القوات الجوية الكلي على المقاتلات الأمريكية (F-15, F-16, F-35) وصيانتها وذخائرها.

اللوجستيات الحربية: الحاجة للإمدادات الأمريكية السريعة في الحروب الطويلة.

المظلة الدبلوماسية: أهمية "الفيتو" الأمريكي في مجلس الأمن والردع الإقليمي.

العبء الاقتصادي: تكاليف حرب 2023-2025 تُقدر بـ 55.6 مليار دولار، مما يجعل التخلي عن الدعم المالي تحدياً جسيماً.

ويرى محللون أن تصريحات نتنياهو وتلميحه باستقلال اسرائيل عن المظلة الامريكية قد تكون "مناورة" للضغط على الادارة الامريكية "رئاسة بايدن" بشأن سرعة توريد السلاح. وبناءً على المعطيات الراهنة، لا يُتوقع حدوث انفصال عسكري، بل يتجه التحالف نحو نموذج "أكثر توازناً"، تتحول فيه العلاقة من "مانح ومتلقٍ" إلى شراكة بين قوتين عسكريتين متداخلتين تعملان بتنسيق استراتيجي كامل، مع سعي إسرائيلي حثيث لزيادة الاكتفاء الذاتي دون كسر القيد التحالفي مع واشنطن.

 

على الصعيد العسكري

تعتمد القوة الضاربة للجيش الإسرائيلي بشكل شبه كامل على التكنولوجيا والمنصات الأمريكية:

سلاح الجو: هو العمود الفقري للدفاع الإسرائيلي. جميع الطائرات المقاتلة (F-15, F-16, F-35) أمريكية الصنع. الاستغناء عن واشنطن يعني توقف إمدادات قطع الغيار، وتحديثات البرمجيات، والذخائر الذكية. بناء بديل محلي (مثل مشروع طائرة "لافي" الذي أُلغي في الثمانينات بضغط أمريكي) سيستغرق عقوداً ويكلف مئات المليارات.

الذخائر والمخزونات: كشفت حرب غزة (2023-2024) أن إسرائيل تستهلك كميات هائلة من القذائف والصواريخ الاعتراضية (للقبة الحديدية) تتجاوز قدرتها الإنتاجية المحلية. الجسر الجوي الأمريكي ليس مجرد "دعم"، بل هو "شريان حياة" في حروب الاستنزاف الطويلة.

الدفاع الصاروخي: منظومات مثل "سهم" (Arrow) و"مقلاع داوود" تم تطويرها بتمويل وإنتاج مشترك مع شركات أمريكية (مثل بوينغ ورايثيون). بدون المظلة الأمريكية، سيتعثر تطوير وتصنيع هذه المنظومات الضرورية لمواجهة الصواريخ الباليستية.

 

على الصعيد الاستخباراتي والأمني 

الأقمار الصناعية والبيانات: رغم امتلاك إسرائيل أقماراً صناعية متطورة (أوفيك)، إلا أنها تعتمد على الوصول إلى شبكة الأقمار الصناعية الأمريكية للاستشعار عن بُعد، والإنذار المبكر من إطلاق الصواريخ الباليستية من مسافات بعيدة (مثل إيران).

التعاون الاستخباراتي: يوفر "مجتمع الاستخبارات الأمريكي" تغطية عالمية وإقليمية لا تستطيع إسرائيل، بمواردها المحدودة، تغطيتها بالكامل، خاصة فيما يتعلق بالتحركات الإيرانية في دول بعيدة جغرافيًا.

 

على الصعيد الاقتصادي 

المعونة السنوية: تتلقى إسرائيل حالياً 3.8 مليار دولار سنوياً كمنح عسكرية (FMF). رغم أن هذا المبلغ يمثل نحو 1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل، إلا أنه يمثل نحو 15-20% من ميزانية الدفاع.

الاستثمار في البحث والتطوير: الاستغناء عن الدعم الأمريكي سيجبر إسرائيل على تحويل موارد هائلة من قطاعات المدنية (التعليم، الصحة، الهايتك) إلى الصناعات العسكرية لسد الفجوة، مما قد يؤدي إلى ركود اقتصادي أو تراجع في مستوى المعيشة.

سوق التصدير: تعتمد الصناعات العسكرية الإسرائيلية على مكونات أمريكية في أسلحتها التي تصدرها للخارج. الاستغناء عن واشنطن يعني فقدان تصاريح التصدير للعديد من الأسلحة الإسرائيلية التي تحتوي على تكنولوجيا أمريكية.

 

على الصعيد الجيوسياسي والدبلوماسي 

هذا هو الجانب الأكثر حرجاً والذي غالباً ما يتم التغاضي عنه:

الفيتو في مجلس الأمن: الولايات المتحدة هي "الدرع القانوني" لإسرائيل. بدون الفيتو الأمريكي، ستكون إسرائيل عرضة لعقوبات دولية مشددة، وقرارات ملزمة تحت الفصل السابع، وعزلة تشبه عزلة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا سابقاً.

الردع الإقليمي: مجرد وجود الأساطيل الأمريكية (مثل حاملات الطائرات) في شرق المتوسط يرسل رسالة ردع للأطراف الإقليمية (إيران، حزب الله) بعدم توسيع الصراع. بدون هذه المظلة، قد تتجرأ القوى الإقليمية على الدخول في مواجهة مباشرة وشاملة مع إسرائيل.

 

إذا قررت إسرائيل "الاستقلال" العسكري، فما هي خياراتها؟

الخيار الروسي أو الصيني: هو خيار مستبعد جداً. روسيا مرتبطة بعلاقات استراتيجية مع إيران، والصين تفضل المصالح الاقتصادية مع الكتلة العربية والإسلامية. كما أن التحول من التكنولوجيا الغربية إلى الشرقية يحتاج إلى إعادة بناء الجيش بالكامل من الصفر (تدريب، صيانة، عقيدة قتالية).

الاعتماد الذاتي المطلق: يتطلب تحويل إسرائيل إلى "دولة ثكنة" (Garrison State)، حيث يتم توجيه كل موارد الدولة للحرب، مع احتمال امتلاك "خيار شمشون" (الردع النووي) كبديل أخير لمنع الانهيار، لكن هذا سيزيد من عزلتهما الدولية.

 

الخلاصة

من الناحية النظرية: تستطيع إسرائيل البقاء كدولة، لكنها ستكون "إسرائيل مختلفة"؛ أضعف عسكرياً، وأفقر اقتصادياً، ومعزولة دولياً.

من الناحية العملية: لا تستطيع إسرائيل في المدى المنظور (20-30 سنة القادمة) الاستغناء عن المظلة الأمريكية دون المخاطرة بتفوقها العسكري النوعي.  العلاقة ليست مجرد "مساعدة"، بل هي "اندماج عضوي" في المنظومة الدفاعية الأمريكية.

النتيجة النهائية: الاستغناء عن المظلة الأمريكية يعني بالنسبة لإسرائيل الانتقال من وضع "الدولة المهيمنة إقليمياً" إلى وضع "الدولة التي تقاتل من أجل البقاء الوجودي" في بيئة معادية تماماً وبموارد محدودة.