العمادية.. حيث يغرق السياح في سحر التاريخ: أوكسفورد كوردستان ومهد التعايش الديني

أربيل (كوردستان24)- لم تعد شلالات "سولاف" ولا الطبيعة الخلابة لبلدة "العمادية" (ئامێدی) هي الجاذب الوحيد للسياح؛ فاليوم تتحول هذه البلدة الرابضة فوق قمة جبلية إلى ما يشبه "مثلث برمودا" الذي يغرق فيه الزائر بجمال التاريخ وعمق التعايش الديني الممتد لآلاف السنين.

 خارطة سياحية جديدة

بعد أن كانت السياحة في العمادية تقتصر على الموسم الصيفي والمناظر الطبيعية، تهدف الخطط الحالية لحكومة إقليم كوردستان إلى فتح آفاق "السياحة الدينية والآثارية". وبتعاون استراتيجي مع الحكومة الفرنسية، يجري العمل حالياً على ترميم عشرات المواقع التاريخية التي تعكس مئات السنين من العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين واليهود.

وتشمل عمليات الترميم معالم بارزة، منها: مئذنة وقلعة مسجد العمادية الكبير، الكنيسة الكلدانية، الكنيس اليهودي القديم، مزار "بيرمزبان"، ومدرسة "قوبهان" الأثرية. وفي هذا الصدد، يقول بيكس بريفكاني، مدير آثار محافظة دهوك: "هدفنا هو تحويل المواقع الأثرية إلى وجهات سياحية عالمية. نريد إحياء التاريخ وتقديم لوحة التعايش الجمالية في العمادية للعالم، ليرى السياح بأعينهم عظمة هذه الحضارة".

مدرسة "قوبهان".. أوكسفورد كوردستان

تعد مدرسة "قوبهان" (قوبەهان)، التي يصفها بريفكاني بـ "جامعة قوبهان"، من أبرز المعالم التي تخضع للترميم. ومن المتوقع الانتهاء من العمل فيها مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. تعود جذور هذه المدرسة إلى أوائل القرن السادس عشر الميلادي، حيث بناها السلطان حسين ولي، أحد أشهر حكام إمارة بادينان، في سفح قلعة العمادية. استمدت اسمها من "القباب" (قوبە) التي ميزت هندستها المعمارية الفريدة المشيدة من الحجر المنحوت والجص.

 لم تكن "قوبهان" مجرد مدرسة، بل كانت بمثابة جامعة كبرى في عصرها، يقصدها الطلاب من كوردستان وإيران وتركيا والدول العربية. كانت تُدرس فيها علوم الدين (تفسير وفقه)، إلى جانب علوم الفلك والطب والفلسفة واللغويات. وكانت توفر التعليم والإقامة والطعام للطلاب مجاناً برعاية أمراء الإمارة، وضمت مكتبة ضخمة احتوت آلاف المخطوطات النادرة قبل أن تتعرض لضرر كبير جراء الحروب التاريخية.

العمادية.. أيقونة في لوحة التعايش الكوردستانية

 تعتبر العمادية نموذجاً مصغراً لإقليم كوردستان، الذي يحتضن مئات المواقع الدينية لمختلف الأديان والطوائف. وبحسب إحصاءات دائرة الإعلام والمعلومات، يضم الإقليم حالياً: 6,224 مسجداً. 273 كنيسة ومزاراً مسيحياً (مع بناء 20 كنيسة جديدة بعد عام 2005). 325 موقعاً ومزاراً للإيزيديين، وعلى رأسها معبد "لالش" الذي يستقطب سنوياً نحو 200 ألف زائر من مختلف دول العالم.

بهذه المقومات، تتحول "العمادية" – التي تسكنها 1500 عائلة فوق مساحة لا تتجاوز 17 كيلومتراً مربعاً وغير قابلة للتوسع بسبب موقعها الجغرافي الفريد – من مجرد مصيف جبلي إلى متحف مفتوح يروي قصة التعددية والعلوم في قلب الشرق الأوسط.