أزمة السيولة وتأخر الرواتب في إقليم كوردستان في حوار خاص مع النائب د. دانر عبد الغفار
اربيل (كوردستان24) - في وقت يترقب فيه الشارع الكوردستاني بشغف حلولاً جذرية لأزمة تأخر صرف الرواتب والمستحقات المالية، استضاف برنامج "قضية اليوم" (باسي ڕۆژ) الذي يقدمه الاعلامية ژینو محمد، على شاشة "كوردستان 24" الدكتور دانر عبد الغفار، المتحدث باسم كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وعضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي.
يأتي هذا اللقاء في أعقاب اجتماع عاصف للجنة المالية النيابية استضافت فيه وزير المالية الاتحادية، فالح الساري، لمناقشتها في أسباب شح السيولة النقدية والآثار المترتبة على ذلك، ولا سيما تأخر إرسال مستحقات موظفي الإقليم، والبحث في خفايا الأرقام والمواقف السياسية التي تحكم هذا الملف المعقد.
نص الحوار:
كوردستان24: نعم أيها السادة، في غمرة حمى المونديال ومباراة الأرجنتين ضد مصر، والتي انتهت بفوز الأرجنتين بثلاثة أهداف مقابل هدفين؛ حان الآن موعد تقديم برنامجكم "قضية اليوم" (باسي ڕۆژ). يؤسفنا وبشكل اضطراري أن نطرح هذا السؤال مجدداً، لأن قضية الرواتب لا تزال هي القضية الأكثر سخونة في إقليم كوردستان.
سأناقش معكم اليوم مصير صرف الرواتب والمستحقات المالية للموظفين وإلى أين تتجه هذه الأزمة ومتى تنتهي؟ اليوم تبدأ الوعود التي تتجدد من أسبوع إلى آخر، تاركة الموظفين والمتقاعدين في طابور الانتظار والترقب.
لقد استضافت اللجنة المالية في البرلمان العراقي اليوم وزير المالية، ووجهت إليه جملة من الأسئلة الخاصة برواتب موظفي إقليم كوردستان والمستحقات المالية والمشاكل التي تعترضها. وبحسب تصريح أحد أعضاء اللجنة المالية، فقد ذكر الوزير أن الوضع المالي صعب، وأن الإيرادات النقدية الحرة للدولة لم تتجاوز هذا الشهر 430 مليار دينار، وبسبب أزمة السيولة هذه تعذر إرسال رواتب موظفي إقليم كوردستان.
لذلك، سنطرح في حلقة اليوم كافة التساؤلات والمعوقات التي تحول دون صرف الرواتب في مواعيدها المحددة. ولمناقشة هذا الملف الهام، ينضم إلينا مباشرة من بغداد الدكتور دانر عبد الغفار، المتحدث باسم كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وعضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي.
دكتور دانر، طاب يومكم وشكراً لتواجدكم معنا مجدداً في برنامج "قضية اليوم". في السابق كنا نسمع أن المشكلة فنية أو سياسية، والآن نسمع نبرة جديدة تتحدث عن غياب السيولة النقدية وعدم توفر الأموال الكاش. هل لك أن تضعنا في صورة الحقيقة؟
أزمة حادة في السيولة النقدية وتراكم الديون يثقلان كاهل الخزينة الاتحادية
تفاصيل اجتماع اللجنة المالية بوزيرة المالية الاتحادية
د. دانر عبد الغفار: طاب يومكِ بكل خير، وأهلاً بكِ وبمشاهدي شاشة كوردستان 24 الأوفياء. في البداية، أود الإشارة إلى أنني إلى جانب كوني متحدثاً باسم الكتلة، فإنني عضو عامل في اللجنة المالية النيابية. واليوم عقدت اللجنة اجتماعها الرسمي الأول، واستضافت فيه وزير المالية برفقة كبار المسؤولين في الوزارة، بمن فيهم مدير عام الجمارك، مدير عام الضرائب، مدير الدائرة القانونية، ومدير عام الدين العام.
لقد تمت مناقشة العديد من الملفات الحساسة. ويجب أن ندرك حقيقة هامة وهي أن العراق يمر بظروف مالية بالغة الصعوبة جراء التوترات والحروب المستعرة في المنطقة. ويعد العراق تاريخياً وجغرافياً المتضرر الأكبر اقتصادياً من هذه الأزمات في المنطقة، حتى أكثر من إيران؛ كون الاقتصاد العراقي اقتصاداً ريعياً يعتمد كلياً على عوائد النفط، وعندما تتذبذب أسعار النفط أو تتراجع الصادرات، تتأثر الإيرادات الحرة للدولة بشكل مباشر ومقلق.
وكما تفضلتِ في مقدمتكِ، فقد أوضح الوزير في اجتماع اليوم أن الإيرادات النقدية الحرة المتوفرة لهذا الشهر بلغت 430 مليار دينار فقط. كما تطرق الوزير إلى الأرقام المقلقة الخاصة بحجم الدين العام الداخلي والالتزامات الكبيرة المترتبة على القروض الخارجية، فضلاً عن مستحقات الفلاحين والمقاولين المتأخرة والالتزامات التشغيلية الأخرى التي تزيد من اختناق الوضع المالي للبلاد.
التحفظ النيابي على أرقام الديون السيادية والبحث عن إصلاحات هيكلية
التكتم على لغة الأرقام والحلول الترقيعية للأزمة
كوردستان24: دكتور دانر، بحكم عضويتك في اللجنة المالية، هل تتوفر لديك أرقام محددة حول حجم هذا الدين الداخلي والخارجي المترتب بذمة العراق؟
د. دانر عبد الغفار: في الواقع، هناك اتفاق ضمني بين أعضاء اللجنة على عدم طرح هذه الأرقام الدقيقة للإعلام في الوقت الراهن؛ تجنباً لإثارة القلق، لكنني أؤكد لكِ أنها أرقام ضخمة جداً وتدعو للقلق.
لدى الحكومة الحالية خطة تهدف لخفض مستويات الدين تدريجياً لتعافي الاقتصاد الوطني. ونحن من جانبنا، أكدنا خلال مداخلاتنا في الاجتماع أن هذه الحلول المطروحة تظل "حلولاً ترقيعية" ومؤقتة؛ إذ لا يمكن للعراق الاستمرار باقتصاد يعتمد على مصدر واحد.
إذا ما استمرت الصراعات الإقليمية لعامين آخرين أو اتسعت رقعة الحرب لا سمح الله، فإن الدولة ستواجه شللاً اقتصادياً حقيقياً قد يعجز الجميع عن معالجته. لذا يتعين على الحكومة اتخاذ خطوات عملية وجريئة لتنويع مصادر الدخل وتجاوز العجز.
رواتب موظفي الإقليم حقوق دستورية وليست ورقة للمساومات السياسية
الموقف المشترك للنواب الكورد ومواجهة وزيرة المالية
كوردستان24: دكتور دانر، سأركز أكثر في حوارنا على تفاصيل ما دار بينكم وبين وزير المالية. تتحدث عن أزمة سيولة قاسية، ولكن يبقى السؤال الجوهري والمشروع للمواطن الكوردي: لماذا يتم دائماً حل هذه الأزمات المالية والسيادية على حساب قوت ومستحقات موظفي إقليم كوردستان؟
د. دانر عبد الغفار: هذا السؤال بالذات طرحناه اليوم وبقوة، نحن جميع النواب الكورد الحاضرين في اللجنة المالية، وشددنا على وجوب إنهاء هذه المعاملة غير المنصفة. نحن نعتبر موظفي الإقليم جزءاً لا يتجزأ من منظومة الوظيفة العامة في العراق، ولا يجوز دستورياً أو أخلاقياً التمييز بينهم وبين زملائهم في المحافظات الأخرى.
من المؤسف جداً أن يعيش المواطن والموظف الكوردي في قلق دائم كل شهر يترقب شاشات التلفزة لمعرفة مصير لقمة عيشه.
الوزير من جانبه تذرع بأنه یقع تحت وطأة ضغوط إدارية وقانونية كبيرة. لكن لنكن واقعيين، الأزمة تداخلت فيها الجوانب الفنية بالسياسية وسوء الفهم. ورغم أن الخلافات بين أربيل وبغداد حول المستحقات المالية لم تنتهِ كلياً، إلا أن هناك تقدماً ملموساً جرى اليوم في عدة ملفات، مثل أتمتة الجمارك (نظام الأسيكودا) والتعرفة الجمركية، والاتفاقات تسير نحو الحل.
أما بخصوص الضغوط التي تحدث عنها الوزير، فقد أشار إلى وجود كتب رسمية من جهات رقابية ونيابية تطالب بتسوية الحسابات قبل الصرف، ومنها كتاب قديم يعود لأكثر من شهر صادر من مكتب نائب رئيس البرلمان (عدنان فيحان).
ونحن بدورنا قمنا بزيارة السيد عدنان فيحان يوم أمس وناقشنا معه هذا الملف باستفاضة، وبيّنا له أن الكورد والشيعه تقاسموا المظلومية طوال عقود ولدينا مصير مشترك، وأي لغة تهديد أو ضغط مالي على قوت الشعب ستنعكس سلباً على الاستقرار المجتمعي في العراق ككل.
غياب العدالة التوزيعية في صرف المستحقات المالية
كوردستان24: لكن دكتور دانر، عذراً للمقاطعة؛ على ضوء هذه المظلومية المشتركة والتاريخ النضالي المشترك الذي تتحدث عنه، الواقع اليوم يقول إن الموظف في البصرة أو الأنبار يستلم راتبه بانتظام، بينما الموظف الكوردي في أربيل والسليمانية ودهوك هو الوحيد الذي يعاني الحرمان؛ أين العدالة هنا؟
د. دانر عبد الغفار: هذا صحيح تماماً، ولأننا نعلم أن القرار السياسي في بغداد متشعب، فقد قمنا بزيارة السيد عمار الحكيم قبل يومين، وأوضحنا له أن وزير المالية یمثل مدرسة وتيار الحكيم السياسي، وبالتالي يجب أن تتحمل هذه المدرسة مسؤوليتها التاريخية والوطنية، مستذكرين الفتوى التاريخية لآل الحكيم في تحريم قتال الكورد في ستينيات القرن الماضي.
وقد أكد لنا السيد عمار الحكيم بشكل قاطع أنه تواصل شخصياً مع وزير المالية وشدد على ضرورة تحييد ملف رواتب موظفي الإقليم عن أي خلافات سياسية أو فنية، واعتبر قطع الرواتب أمراً غير مقبول أخلاقياً وإنسانياً.
وحول تساؤلكِ عما إذا كان الوزير سیستمر في التلويح بقطع الرواتب كأداة ضغط مالي؛ قاطعتُ الوزير أثناء الاجتماع وسألته مباشرة: "سیادة الوزير، هل نفهم من كلامكم أنكم ستخلقون أزمة جديدة وتوقفون الرواتب مجدداً؟"، فأجاب بوضوح: "لا، سنقوم بصرف الرواتب بالكامل"، لكنه شدد على أن التأخير ناتج حصراً عن العجز المؤقت في السيولة النقدية داخل الخزينة، ووعد بإرسال المبالغ فور توفر النقد.
اتفاق الـ 120 مليار دينار ليس نصاً دستورياً منزلاً ويجب إخضاعه للمرونة القانونية
وزير المالية يرهن تعديل الاتفاقات بقرار من مجلس الوزراء الاتحادي
كوردستان24: ولكن دكتور دانر، دعنا نستذكر أن وزير المالية تعهد في أيامه الأولى بأن صرف رواتب الإقليم سيكون متزامناً ومطابقاً لآلية الصرف في بقية المحافظات دون أي تمييز؛ أين ذهبت تلك الوعود الآن؟
د. دانر عبد الغفار: لقد واجهنا الوزير بهذه الوعود في اجتماع اليوم، وهناك إجماع برلماني داخل اللجنة المالية على أنه لا يمكن القبول بمس قوت المواطنين تحت أي مسمى. الوزير لم يقل إنه لن يرسل الأموال، بل استند إلى الالتزامات المالية السابقة المترتبة على الإقليم.
وقد أوضحتُ له في الاجتماع أن مبلغ الـ 120 مليار دينار (المفروض على الإقليم كعائدات غير نفطية) ليس نصاً دستورياً منزلاً لا يمكن تعديله، بل هو اتفاق تم صياغته تحت ظروف معينة. وحتى في القوانين المدنية، إذا تغيرت الظروف الموضوعية للاتفاق وأصبحت مجحفة، يجب إعادة النظر في البنود وإدخال المرونة عليها.
الوزير تذرع بأن تعديل هذه الآلية يتطلب قراراً رسمياً من مجلس الوزراء الاتحادي لتغطيته قانونياً. ونحن على تواصل مع قيادات الإطار التنسيقي، وعلى رأسهم السيد نوري المالكي، وهناك رغبة سياسية عامة لحلحلة هذا الملف وتفادي تأزيم الشارع.
عنوان فرعي: تفنيد الشائعات الإعلامية حول شروط الصرف المستقبلية
كوردستان24: دكتور دانر، يرجى توضيح هذه النقطة بدقة للشارع الكوردستاني؛ هل صحيح ما أشيع في بعض وسائل الإعلام اليوم بأن الوزير اشترط موافقة مجلس الوزراء لصرف رواتب الأشهر القادمة وأن هذا الشهر هو الأخير الذي سيصرف يدوياً؟
د. دانر عبد الغفار: هذا الكلام عارٍ عن الصحة تماماً ومجرد تأويلات صحفية خاطئة لم تدلِ بها الوزير مطلقاً في اجتماعنا اليوم. لقد ضغطنا عليه بشدة للحصول على التزام واضح ومباشر أمام اللجنة، فقال حرفياً: "سنقوم بصرف رواتب هذا الشهر بالكامل وفوراً".
ولم تضع أي شروط تعجيزية للأشهر القادمة، بل أوضح أن المعالجة الشاملة للمستقبل تتطلب مراجعة الأرقام المحددة للإيرادات غير النفطية بالتنسيق بين حكومتي الإقليم والمركز. ونحن في اللجنة نرى أن المشكلة تكمن في البنية الهيكلية لقانون الموازنة الثلاثية وليس في الرواتب وحدها...
كوردستان24: دكتور دانر، اسمح لي أن نكون أكثر صراحة؛ المواطن والموظف البسيط في كوردستان سئم سماع مصطلحات "الأجواء الإيجابية" و"التفاهمات المستمرة"، هو يريد حقه الدستوري المتمثل بالراتب في نهاية كل شهر أسوة بأي مواطن في العراق. كثرة الوعود دون تطبيق عملي تفرغ هذه الاجتماعات النيابية من قيمتها؛ ما هو تعليقكم؟
د. دانر عبد الغفار: أتفق معكِ تماماً، ونحن نتحدث هنا بمنتهى الأمانة والمسؤولية لأن مصداقيتنا أمام شعبنا هي الأهم. الحقيقة التي يجب أن يعرفها المواطن هي أن الأزمة المالية الخانقة في العراق حقيقية وتطال الجميع؛ فحتى هذه اللحظة التي أتحدث فيها إليكِ، هناك وزارات ومحافظات في وسط وجنوب العراق لم تستلم رواتبها لشح السيولة الكاش في المصارف الحكومية.
الوزير أكد لنا التزامه الأخلاقي والقانوني بإرسال رواتب الإقليم، والضغوط السابقة بدأت تتفكك بفضل اللجان الفنية المشتركة التي تبحث ملفات الجمارك والضرائب.
لقد أوضحنا لمدير عام الجمارك العراقية أن إيجاد الحلول القانونية المرنة هو واجبهم الفني لتسهيل حياة المواطنين، وحكومة الإقليم ملتزمة بالدستور والقوانين الاتحادية. وهدفنا الأساسي الآن هو ضمان عدم تكرار آلية الغبن والتمييز التي فرضت على الإقليم منذ عام 2014 في قانون الموازنة القادم.
آلية "الإنفاق الفعلي" بدعة قانونية قوضت الموازنة المالية لإقليم كوردستان
تفكيك لغز الأرقام والمعادلة المجحفة في حصة الـ 12.67٪
كوردستان24: دكتور دانر، هل يعني ذلك أن إقليم كوردستان لا يزال يخضع حتى اليوم لآلية "الإنفاق الفعلي" (الإنفاق الحقيقي للمركز) لتحديد حصته المالية؟
د. دانر عبد الغفار: نعم، مع الأسف الشديد، هذا هو الواقع الحالي. آلية "الإنفاق الفعلي" تعني ببساطة أنه مهما بلغت حصة الإقليم النظرية في الموازنة (وهي 12.67٪)، فإن الإقليم لا يستلم هذه النسبة من الموازنة الكلية المفترضة، بل يستلم فقط 12.67٪ مما تنفقه بغداد فعلياً على أرض الواقع.
فإذا تعطل مشروع استثماري في البصرة، أو امتنعت بغداد عن تمويل قطاع معين، أو تم تسديد ديون سيادية، فإن حصة الإقليم تتقلص تلقائياً تتبعاً لهذا الانخفاض في الإنفاق الفعلي، ليعودوا بعد ذلك ويتهموا الإقليم بتلقي مبالغ زائدة عن حقه. هذه الآلية مجحفة وغير عادلة ويجب إلغاؤها نهائياً.
كوردستان24: وكيف السبيل لتعديل أو إلغاء هذه الآلية المجحفة؟ هل تملكون كأعضاء كورد في البرلمان واللجنة المالية القدرة الحقيقية والأدوات القانونية لفرض هذا التغيير؟
د. دانر عبد الغفار: هذا هو صلب عملنا وواجبنا الأساسي في البرلمان واللجنة المالية. عندما تصلنا مسودة قانون الموازنة من مجلس الوزراء، سنقوم بإخضاعها لمراجعة دقيقة وتعديلات جوهرية. لن نسمح بتمرير هذه الآلية المجحفة مجدداً.
نحن ندرك جيداً قواعد اللعبة البرلمانية والعملية الديمقراطية وحسابات الأغلبية والأقلية، ولكننا سنستخدم كافة أدواتنا القانونية والسياسية للضغط. الأجواء الحالية إيجابية وهناك رغبة عامة في بغداد لإنهاء الخلافات، والوفود الكوردية التي تزور بغداد تساهم في تعزيز هذه التفاهمات، وأنا متفائل بالوصول إلى صيغة عادلة تنصف موظفي الإقليم.
كوردستان24: دكتور دانر، العراق بلد غني بالموارد النفطية وهناك استقرار نسبي في الأسواق العالمية، فلماذا تعاني الخزينة العامة باستمرار من خلوها من السيولة النقدية الكافية؟
د. دانر عبد الغفار: الواقع الاقتصادي يشير إلى أن ملف تصدير النفط العراقي لم يتعافَ كلياً؛ فالصادرات عبر الأنبوب التركي متوقفة لوجود خلافات وشروط صعبة تفرضها تركيا للحصول على مكاسب تفاوضية أكبر، وقد منحت أنقرة مهلة 26 يوماً للجانب العراقي للتوصل إلى تسوية نهائية بشأن الرسوم والأجور في ميناء جيهان.
من جهة أخرى، يضغط العراق على منظمة "أوبك" لزيادة حصته الإنتاجية لتصل إلى 5 ملايين برميل يومياً لتعزيز عوائده المالية. وتلجأ الحكومة حالياً لإجراءات استثنائية لتمويل العجز عبر طرح سندات وطنية وبيع بعض العقارات والأملاك الحكومية غير المستغلة لتوفير السيولة النقدية للمصارف.
العراق مثقل بديون داخلية وخارجية ضخمة جداً تعيق حركته المالية، ومكمن الخلل هو سوء الإدارة المالية المتراكم والاعتماد المفرط على الريع النفطي، وإلا فإن العراق يمتلك ثروات هائلة كفيلة بجعله في مصاف الدول المتقدمة.
تراجع الإيرادات غير النفطية في العراق بنسبة 75٪ يربك الحسابات المالية للبلاد
الفشل الهيكلي في تنويع الاقتصاد العراقي والاعتماد الكلي على الريع النفطي
كوردستان24: دكتور دانر، أشرت إلى أن الاقتصاد العراقي اقتصاد ريعي أحادي المورد. هل ناقشتم مع وزير المالية خطط تفعيل القطاعات غير النفطية كالزراعة والصناعة والضرائب لتحقيق التوازن المالي المطلوب وحماية البلاد من الهزات الاقتصادية؟
د. دانر عبد الغفار: بكل تأكيد، لقد أكدتُ للوزيرة في اجتماع اليوم أن الاعتماد على مبيعات النفط وحدها يمثل خطراً استراتيجياً كبيراً على مستقبل البلاد، ويجب تفعيل القوانين والخطط التنموية لتنشيط القطاعات الإنتاجية كحلول مستدامة.
وفيما يتعلق بالإيرادات غير النفطية، كشف لنا الوزير عن تقرير رسمي صادر من البنك المركزي العراقي يؤكد تراجع الإيرادات غير النفطية الحقيقية بنسبة 75٪ في عموم العراق، مما يثبت أن الأرقام والتقديرات التي وضعت سابقاً في الموازنة كانت غير واقعية ومبالغاً فيها بشكل كبير، وبالتالي لا يمكن إلزام الإقليم بدفع مبالغ تفوق طاقته الفعلية، والدستور كفل في المادتين 110 و114 الإدارة المشتركة لهذه القطاعات الحيوية.
الرواتب قادمة وبغداد لا تشترط تسليم الـ 120 ملياراً لإطلاق التمويل
كوردستان24: الوقت المتبقي لنا قليل جداً، لكنني أرجو إجابة واضحة ومقتضبة على هذا التساؤل: هل ترهن وزيرة المالية إرسال الرواتب بتسليم الإقليم لمبلغ الـ 120 مليار دينار شهرياً كشرط مسبق؟
د. دانر عبد الغفار: لم یطرح وزير المالية هذا الشرط في اجتماع اليوم إطلاقاً، وعندما سألناه عن وجود أي نية للعرقلة، أكد التزامه بالصرف فور توفر الأموال النقدية الحرة في البنك المركزي.
نحن نرى أن ملف الإقليم ملف متشعب ويستدعي تخصيص جلسات نوعية مكثفة مع الوزارة لوضع معالجات شاملة وجذرية بدلاً من المعالجات الترقيعية المؤقتة. الرواتب ستصل دون شك، لكن التوقيت مرتبط حصراً بتوفر السيولة في المصارف الاتحادية.
ملامح موازنة عام 2027: سياسة تقشفية تركز على معالجة قطاع الكهرباء الخدمي
كوردستان24: سؤالي الأخير دكتور دانر؛ العراق يعمل حالياً بموازنة ثلاثية للأعوام (2023، 2024، 2025)، وتتحدثون الآن عن ملامح موازنة عام 2027؛ ما هي أبرز الفروقات والتعديلات المتوقعة في هذه الموازنة القادمة؟
د. دانر عبد الغفار: نعم، وزيرة المالية أوضحت لنا أن موازنة عام 2027 ستشهد تغييراً جذرياً في فلسفتها المالية؛ إذ ستكون موازنة تقشفية بامتياز تهدف لتقليص النفقات التشغيلية والحد من الهدر المالي لتمكين الدولة من تجاوز أزمة الديون الحالية.
وستركز الموازنة بشكل استراتيجي على حل معضلة قطاع الكهرباء التي تستنزف ميزانية الدولة سنوياً دون حلول تذكر. كما ستتبنى الموازنة معياراً تنموياً يركز في كل عام على محافظات محددة لإنعاشها؛ وتم اختيار محافظتي صلاح الدين والديوانية كأولوية في موازنة 2027 لتوفير الخدمات الأساسية لهما.
وبالنسبة لحصة إقليم كوردستان، فإننا متمسكون بالنصوص الدستورية لضمان حصة عادلة بعيداً عن تقلبات السياسة وضغوط الإنفاق الفعلي.
كوردستان24: دكتور دانر عبد الغفار، المتحدث باسم كتلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وعضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي، كنت معنا مباشرة من بغداد؛ شكراً جزيلاً لك على هذه الإيضاحات القيمة، ودمت سالماً.
د. دانر عبدالغفار: الشكر موصول لكم ولجنابكم الكريم وللمشاهدين الأعزاء.
كوردستان24: إلى هنا أيها السادة نصل إلى نهاية حلقة اليوم من برنامج "حديث اليوم" (باسي ڕۆژ)، دمتم في أمان الله ورعايته وإلى اللقاء.