حي البرازي في حماة: عبق التاريخ ونبض الذاكرة الكوردية السورية

أربيل (كوردستان24)- بين جدران حجرية عتيقة تشهد على قرون من الوجود الكوردي في عمق الجغرافيا السورية، تتكشف حكايات حي "البرازي" في مدينة حماة. هذا الحي، الذي لم يكن مجرد رقعة سكنية لعائلات عريقة، بل واحة حية تحفظ تفاصيل الهوية وتحولاتها الاجتماعية والسياسية، يروي اليوم فصولاً من الصمود والتمسك بالأرض، واصلاً بين ندوب الماضي الجريح وإرادة التجدد والعودة في الحاضر.


عراقة الوجود وتأسيس الحي
يُصنف حي البرازي كأحد أقدم وأعرق الأحياء التاريخية في مدينة حماة، حيث تفوح من أزقته الضيقة وأقواسه الحجرية رائحة الماضي الأصيل. وقد ارتبط اسم الحي تاريخياً بالوجود الكوردي في المدينة؛ إذ أسسته وعاشت فيه عائلات كوردية عريقة استقرت في حماة منذ قرون، وأسهمت بفعالية في تشكيل الهوية الاجتماعية والثقافية للمنطقة.
وفي هذا السياق، يستذكر نافع البرازي، وهو أحد وجوه وسكان الحي، جذور العائلة التاريخية قائلاً لـ كوردستان24: "جاءت عائلة البرازي إلى حماة مع الجيش العثماني، وتحديداً في عهد والي حماة (إسماعيل باشا الملّي) وهو كوردي أيضاً، برفقة عائلة المراد (مراد آغا) الذي كان قائداً عسكرياً".
ويضيف البرازي: "استقر أجدادنا الأوائل في ريف حماة قبل أن ينتقلوا إلى المدينة ويؤسسوا هذا الحي التاريخي. لدينا هنا ذكريات وتاريخ طويل لا يمكن إغفاله أو محوه من ذاكرة المدينة".


محطات التهجير وهدم المعالم
لم يكن الدرب ممهداً لساكني حي البرازي؛ فمع مطلع ستينيات القرن الماضي، بدأت معالم الهجرة التدريجية تلوح في الأفق، لترتفع وتيرتها بشكل قاصٍ خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين. إذ شهد الحي عمليات هدم ممنهجة طالت أجزاءً واسعة من معالمه وبيوته الأثرية، لاسيما خلال أحداث الثمانينيات الدامية، مما أسفر عن تراجع كبير في أعداد العائلات الكوردية وبقاء قلة منها تكابد للحفاظ على هوية المكان.
إلى جانب قيمته التراثية، شكّل الحي بيئة وطنية متفاعلة مع التغيرات المعاصرة في سوريا؛ ويشير محمد يوسف، أحد سكان الحي، إلى هذا الجانب في حديثه لـ كوردستان24 قائلاً: "حي البرازي من الأحياء التاريخية القديمة التي حافظت على هويتها وتراثها لقرون طويلة، وهو كذلك من الأحياء التي شاركت بفاعلية في بدايات الحراك الشعبي السوري، وقدم تضحيات جسيمة دفاعاً عن قيمه وحريته".


الهجرة العكسية.. عودة الروح إلى الأزقة العتيقة
اليوم، يقف حي البرازي وسوقه الأثري شاهداً على الاستمرارية التاريخية في حماة، حيث يمتزج الماضي بالحاضر في مشهد عمراني فريد. ورغم التغيرات التي طرأت على ملامحه الخارجية، لا يزال الحي يحافظ على رمزيته وبيوته الحجرية القديمة.
ومع التحولات الأخيرة، بدأت ملامح هجرة عكسية لافتة؛ إذ آثرت العديد من العائلات العودة لترميم منازلها وإعادة النبض إلى حارتها التاريخية، ليبقى حي البرازي فصلاً نابضاً في الذاكرة الجماعية لمدينة حماة وجزءاً لا يتجزأ من الإرث الكوردي السوري.


تقریر: انور عبداللطيف - حماة - كوردستان24