من رحم الرماد.. صمود الياسمين يطوع مخلفات الحرب في أسواق دمشق القديمة
أربيل (كوردستان 24)- بين أزقة دمشق القديمة وحاراتها التاريخية، تولد الحياة مجدداً من بين ركام الألم. وفي منطقة "باب الجابية" العريقة، يستقطب محل صغير للشرقيات يحمل اسم "البشائر" اهتمام الزوار وعشاق الفن؛ إذ تحوّلت فيه مخلفات الحرب القاسية من قذائف ورصاص إلى تحفٍ فنية تنبض بالجمال والأمل، معلنةً قدرة الإرادة البشرية على صياغة السلام من أدوات الموت.
ويروي صاحب المحل، الحرفي أحمد بقبوق (أبو عبد الرحمن)، لـ كوردستان 24، بدايات الفكرة وظروف العمل قائلاً: "إن فكرة النقش والعمل على النحاس والمعادن ليست وليدة اليوم، بل هي حرفة قديمة جداً وتاريخية في دمشق. لكننا في فترات سابقة كنا نواجه صعوبات وملاحقات تمنعنا من العمل بحرية واقتناء المعادن أو مخلفات الحروب".
وأضاف بقبوق: "لقد عملنا على إحياء هذه الفكرة اليوم لنرسل رسالة واضحة إلى الجميع؛ مفادها أنه يمكننا دوماً تحويل الألم والمعاناة إلى أمل وجمال يبعث على الحياة".
ويعتمد العمل في المحل على جمع مخلفات الحرب من بقايا القذائف وفوارغ الرصاص وأجزاء الصواريخ النحاسية والمعدنية. لتبدأ بعد ذلك مرحلة دقيقة من إعادة التدوير، حيث يعمل الحرفيون على معالجة هذه المعادن القاسية وتطويعها ببراعة لتهيئة الأسطح المعدنية للنقش، لتتحول من أدوات كانت تثير الخوف إلى قطع فنية تروي حكايات الصمود والتجدد.
وتتواصل هذه الحرفة اليدوية عبر الأجيال، حيث يحرص الآباء على توريث مهاراتها المعقدة للأبناء لضمان استمرارها.
ويقول الابن، عبد الرحمن بقبوق، لـ كوردستان 24: "أنا أتعلم هذه المهنة من والدي، تماماً كما تعلمها هو عن أجداده. هدفنا هو المحافظة على هذه الحرفة وتطويرها، لنحول مخلفات الحرب القاسية إلى تحف نحاسية فنية تخلد الذاكرة للأجيال القادمة".
وتكتمل هذه اللوحات المعدنية عبر عملية النقش اليدوي الدقيق؛ إذ يخط الحرفي بأنامله، مستعيناً بالمطرقة والإزميل، زخارف شرقية دمشقية معقدة، وآيات قرآنية، وعبارات تدعو للسلام والمحبة على أسطح تلك القطع المعاد تدويرها.
وهكذا، تولد من ركام الحرب قطع تراثية فريدة تحمل في طياتها رسالة بليغة تفيد بأن الحياة والإبداع ينتصران دائماً في النهاية، لتؤكد أن دمشق تظل قادرة على ترويض قسوة الحديد وتحويله إلى رسائل سلام دافئة.
تقرير: انور عبداللطيف - دمشق - كوردستان 24