سياح "قناصة سراييفو": قتلوا الأطفال نهاراً واحتفلوا ليلاً
أربيل (كوردستان 24)- وُجِّهت اتهامات لأجانب أثرياء، من بينهم بريطانيون، بدفع مبالغ مالية مقابل إطلاق النار على أطفال ونساء حوامل خلال حصار العاصمة البوسنية في أوائل التسعينيات.
في نهاية يومٍ قضوه في قنص النساء والأطفال ببنادق باهظة الثمن، كان "زوار سراييفو" يحتفلون حتى ساعات الفجر الأولى، يلتهمون لحم الخنزير المشوي ويحتسون "البراندي".
يتذكر ألكسندر ليكانين، الذي يقول إنه شهد تلك الاحتفالات: «كانوا يرتادون المقهى بين السادسة والسبعة مساءً ويبقون حتى الخامسة صباحاً، يغنون ويضحكون.
وادعى ليكانين (63 عاماً)، الذي كان متطوعاً في وحدة دبابات تابعة لصرب البوسنة آنذاك، أن الأجانب الذين دفعوا مقابل "شرف" قتل المدنيين الأبرياء كانوا في الغالب رجالاً أثرياء، لكن كانت بينهم نساء أيضاً، مشيراً إلى أن من بينهم بريطانيين وإيطاليين وألماناً.
انتشرت تقارير لسنوات حول ما يُسمى بـ "رحلات سفاري سراييفو"، التي يُقال إنها اجتذبت أجانب أثرياء إلى التلال المُطلة على العاصمة البوسنية في أوائل التسعينيات، أثناء حصارها من قِبل القوات الصربية خلال حروب البلقان.
ا
وزُعم أنه مقابل مبالغ تصل إلى 88 ألف جنيه إسترليني، سُمح للزوار باستخدام مواقع قناصة صرب البوسنة لإطلاق النار على السكان داخل المدينة، كما يُقال إنهم دفعوا مبالغ إضافية مقابل "امتياز" قتل الأطفال أو النساء الحوامل.
كان ضحايا هؤلاء من بين أكثر من 11,500 قتيل سقطوا خلال الحصار الذي دام أربع سنوات. وقد وافق ليكانين على مقابلة صحيفة "التايمز" في البوسنة للكشف عما يتذكره عن هؤلاء القناصة المزعومين، في وقتٍ يُحقق فيه قضاة في إيطاليا في مزاعم تفيد بتورط "صيادين" إيطاليين في تلك الجرائم.
واستجوبت السلطات يوم الاثنين سائق شاحنة (80 عاماً)، وهو هاوٍ لجمع الأسلحة من مدينة بوردينوني شمال شرق إيطاليا، وقد نفى تورطه في الحادثة، بينما من المقرر استجواب ثلاثة مشتبه بهم إيطاليين آخرين.

الخروج عن الصمت
بعد صمت دام ثلاثة عقود، صرّح ليكانين بأنه مستعدٌّ للكلام لتزامن ذلك مع التحقيق الإيطالي الجاري. وقال وهو يدخن بشراهة في مقهى بمسقط رأسه 'برييدور': "أريد أن تظهر الحقيقة، لقد كنت أنتظر بدء تحقيق حقيقي."
بحسب ليكانين، بدأت حربه عام 1993 عندما انقسمت الجالية الصربية في سراييفو عن البوشناق المسلمين، مع تصاعد الانقسامات العرقية والدينية التي أجّجت الصراع في يوغوسلافيا المتفككة. وبعد أن اعتكله البوشناق لفترة، تمكن الشاب البالغ من العمر 31 عاماً آنذاك من الوصول إلى حي "غرابافيتسا" الخاضع لسيطرة الصرب، وانضم إلى وحدة دبابات شاركت في الحصار الدامي للمناطق التي يسيطر عليها البوشناق.
قال ليكانين إن قائده، سلوبودان تودوروفيتش، كان ضابطاً سابقاً في الجيش اليوغسلافي المنحل. وتمركزت وحدته في المقبرة اليهودية المطلة على سراييفو، وتقاسمت هذا الموقع الاستراتيجي مع ميليشيا صربية قوامها 200 مقاتل، تُعرف بكتيبة "نوفوسارايفو تشيتنيك"، بقيادة سلافكو ألكسيتش.
وأوضح ليكانين أن وحدته كانت تتلقى إحداثيات الأهداف من القادة، لكن قناصة ألكسيتش كانوا يصطادون ضحاياهم بمحض إرادتهم. وأضاف: «كان لألكسيتش منطقة محظورة في المقبرة تبعد عنا 200 متر، وكنا نراها. كانوا يطلقون النار على النساء والأطفال وكبار السن. كانوا خارجين عن السيطرة، وكان ألكسيتش مختلاً عقلياً بشكل واضح، وهذا كان جلياً في عينيه».
يتذكر ليكانين رؤيته لأجانب "أنيقين" يتخذون مواقعهم مع قناصة ألكسيتش في عام 1993 أو 1994، قائلاً: «كانوا يرتدون سترات جلدية فاخرة، وقيل لي إنهم إيطاليون وألمان وبريطانيون. كانوا يُساعدون في تحديد الأهداف، وكان القنص من المقبرة دقيقاً للغاية، فكل شيء كان مكشوفاً أمامهم».
وأشار إلى أن الأجانب الذين أقاموا في مجمع بالقرب من المقبرة، كانوا يدفعون مبالغ تتراوح بين 500 و1000 مارك ألماني ليحصلوا على مواقع قنص مميزة في المباني الشاهقة. وتابع: «بعد انتهاء (المطاردة)، كان يتم إخلاء مقهى خصيصاً لهم، ثم تصل سيارة جيب ألكسيتش التي تحمل جمجمة على غطاء محركها. كنا نغادر فوراً؛ لم نكن نرغب في أي اختلاط بهم».

وأضاف: «كانوا يلتهمون لحوم الخنزير والضأن المشوية بشراهة، مع الويسكي والكونياك. كانوا يحتفلون بقتل الناس. لا أستطيع أن أتخيل كيف يمكن لأحد أن يعيش وهو يحمل وزر قتل طفل». وأكد ليكانين أنه لم يتفاجأ برؤية نساء أجنبيات يدفعن المال للقتل، واصفاً جميع القناصة بأنهم كانوا «ساديين بحت».
وقد أيّد زلاتكو ميليتيتش، رئيس شرطة سراييفو آنذاك، هذه الادعاءات، مؤكداً أن نساءً كنّ بين "القناصة السياح". وقال لقناة N1 الإخبارية: «أتذكر امرأة من رومانيا قتلت على الأرجح أكثر من عشرة أشخاص. كان هؤلاء القناصة الأجانب يتمركزون في خنادق خرسانية عميقة، وكان من الصعب تحييدهم». وأضاف: «كانت لدينا معلومات تفيد بأن ميليشيا ألكسيتش تستضيف هؤلاء مقابل المال، ومعظمهم قدموا من إيطاليا».
اتهامات سياسية
زعم ليكانين أن أحد الصرب الذين ساعدوا القناصة الأجانب هو "ألكسندر فوتشيتش"، الذي كان آنذاك عضواً شاباً في الحزب الراديكالي اليميني المتطرف، وهو اليوم رئيس صربيا. وقال ليكانين: «كان يتواجد في المقهى ويترجم للأجانب».
من جانبه، نفى فوتشيتش عمله مع ألكسيتش، مؤكداً أنه كان في سراييفو بصفته صحفياً فقط.
شجّع الصحفي الاستقصائي الكرواتي دوماغوي مارغيتيتش ليكانين على الإدلاء بشهادته، وهو الذي زعم أيضاً أن فوتشيتش كان متورطاً في هذه العمليات. ووصفت متحدثة باسم الزعيم الصربي هذه الادعاءات بأنها «معلومات مضللة خبيثة تستهدف تقويض المصداقية المؤسسية لصربيا».
توفي ألكسيتش في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وكان قد نفى قبل وفاته استضافة قناصة أجانب. لكن مارغيتيتش ادعى لاحقاً أن المخابرات الصربية ربما دبرت مقتله خشية تغييره لروايته. وقدّم مارغيتيتش وثائق تحمل توقيع ألكسيتش تُجيز لفوتشيتش مرافقة أجانب في البوسنة، ونفى مزاعم تزويرها، مشيراً إلى أنه سلم أسماء مشتبه بهم للقضاة الإيطاليين.
ووفقاً لمارغيتيتش، فإن رحلات القتل كانت منظمة؛ حيث كان يمكن دفع 2000 مارك ألماني للسفر من بلغراد إلى سراييفو في حافلات المتطوعين أو مروحيات، وكانت عمليات القنص تزداد وتيرتها في عطلات نهاية الأسبوع. وأفاد بأن القناصة قدموا من دول عديدة تشمل روسيا، اليونان، فرنسا، والولايات المتحدة.
بدأت قصة "سفاري البشر" تظهر تدريجياً منذ التسعينيات. ففي عام 2007، تحدث جندي أمريكي عن "صيادين سياحيين"، وفي عام 2022، دفع فيلم وثائقي للمخرج السلوفيني ميران زوبانيتش بعنوان "رحلة سفاري في سراييفو" السلطات الإيطالية لفتح تحقيق رسمي.
أما ليكانين، فقد ختم حديثه وهو يشعل سيجارة أخرى قائلاً إنه لا يزال يعاني من الكوابيس رغم مرور عقود على الحرب، وأضاف بمرارة: "الأجانب الذين قدموا إلى سراييفو كانوا مرضى نفسيين.. أراهن أنهم هم من لا يعانون من الكوابيس."
المصدر: جریدة تایمز البریطانیة