"قه ر وكوله زار".. أربعمئة عام من الوفاء ترويها جبال قنديل
أربيل (كوردستان 24)- في عمق الأدب الكوردي، حيث تتماهى ملاحم الحب مع التضحية، تبرز قصصٌ خلدها التاريخ بمداد من دماء العشاق؛ من "شيرين وفرهاد" إلى "مم وزين" و"خجو وسيامند".
لكن هنا، في أحضان جبال قنديل، ترقد قصة أخرى لم تنتهِ بتبادل الزهور، بل بالرحيل الأبدي لأجل المحبوب، قصة "قه ر وكوله زار" التي لا تزال شواهد قبورهما المتجاورة تروي فصولها بعد أكثر من أربعة قرون.
تعود جذور هذه الملحمة إلى نحو 420 عاماً، حيث كان "قه ر"، ابن فرد الله خان سوندوسي، قادماً من شرق كوردستان، بينما كانت "كوله زار" ابنة الوجيه المعروف "حمدي باشا آغا". وبحكم طبيعة الحياة الرعوية والترحال في تلك الحقبة، جمعت منطقة قنديل والحدود الجبلية بين القلبين، لتنشأ قصة حبٍ أصبحت جزءاً لا يتجزأ من التراث الكوردي.
هذا التاريخ وثقه كُتّاب من شرق كوردستان، ونقل عبقه إلى القارئ الكوردي الشاعر الراحل "هيمن موكرياني" عبر ترجمته الرائعة لنص "تحفة مظفرية"، ليحولها من حكاية شفهية إلى إرث أدبي محفوظ.
ما يثير الدهشة ليس فقط استمرار الحكاية، بل شواهد القبور التي صمدت أمام عوادي الزمن. قبر "قه ر" تزيّنه نقوش السيف والخنجر، دلالةً على الفروسية والشجاعة، بينما نُقشت الزهور على قبر "كوله زار" كرمز للجمال والرقة.
ويبقى اللغز التاريخي قائماً حول كيفية نقل هذه الشواهد الحجرية الضخمة والمتقنة إلى هذا المكان الجبلي الوعر في زمنٍ لم تكن فيه سوى الدواب وسيلة للنقل، مما يعكس المكانة الاجتماعية الرفيعة للعاشقين في ذلك الحين.
تتعدد الروايات حول نهايتهما؛ فإحداها تقول إن "كوله زار" مرضت وطلبت الثلج في عز الصيف، فصعد "قه ر" إلى قمم الجبال الشاهقة ليحضره لها، لكنه عاد ليجدها قد فارقت الحياة.
وتقول الحقيقة التاريخية الموثقة إنه حين أبصر "قه ر" قبر محبوبته يُغلق، لم يتحمل قلبه لوعة الفراق، فمرض ومات بعد يومين فقط، ليُدفنا جنباً إلى جنب كما أرادا دائماً.
في عام 1977، واجهت هذه القبور خطر الاندثار بسبب أعمال شق الطرق الحديثة، لولا تدخل "ماموستا عثمان بلينكاني" الذي بذل جهوداً استثنائية لنقلها إلى مكانها الحالي.
وبحسب بلينكاني، فإن هذه القبور ليست مجرد حجارة، بل هي وثيقة تاريخية وتراثية كوردية يجب حمايتها.
واليوم، لا يرقد العاشقان وحدهما، بل يجاورهما والد كوله زار، حمدي باشا آغا، ووالدتها، لتكتمل صورة العائلة التي احتضنها التاريخ.
ستبقى قبور "قه ر وكوله زار" مزاراً لمن يبحث عن قصص الوفاء المطلق، وشاهداً على أن الحب في كوردستان كان دائماً أقوى من الموت، وأبقى من حدود الجغرافيا.
تقرير: اراس امين - كوردستان24 – رانية